تأخذ اللجنة كفريق عمل بريقها والقبول في ميادين الشؤون السيادية أو المهمات السياسية كما يَظهر في أدبيات العمل الدبلوماسي وقد سمح باب هذا المجال بتحرك مفهوم العمل بأسلوب اللجان وانتقاله من النظرية إلى التطبيق كلما دعت الحاجة لأكثر من غرض قد تفرضه تطورات المسار الدبلوماسي إما تحت ثقل حتمية مواجهة الأحداث وما يسير في جرتها أو فوق خط المناورات بقصد اللعب بورقة الوقت أو صنع المواقف بما يتناسب مع ماهية الطرف أو الهدف المقصود استهدافه مثلا.
وعلاوة على حيوية اللجان في بيئة الأعمال البرلمانية لها قبول في مجال تقصي الحقائق وقد فرض الواقع بتطوراته أو غموضه وتعقيداته ضرورة تتبع خط سير قضية عالقة أو شأن قائم على خلفية تأثير التداعيات الحالة أو المتوقعة وبما يوجب اشتراك أكثر من جهة في بحثها للوقوف على الملابسات لتحديد العلة مثلا وإبداء الرأي استنادا على تنوع الاختصاص تمهيدا لصنع القرار المناسب، إلى هذا الحد وسياسة العمل من خلال اللجان مقبولة.
اليوم، تغطي ظاهرة تشكيل اللجان عديدا من أجسام المؤسسات العامة وتنتشر بشكل واضح في هيئة ثقافة مهنية في أكثر من منحى غير أن بحث الشكاوى بأنواعها سوى المنبثقة من داخل المؤسسات أو الواردة من خارجها هو الأكثر حضورا في هذا الشأن ومع هذا يُظهر الانطباع العام السائد في الشارع الكثير من ملامح عدم ثقة الجمهور وفي الوقت نفسه يميل الانطباع بوضوح في اتجاه السخرية من هذا الأسلوب ويعتبره منهجا لإطالة أمد دورة الإجراءات وفرصة لتمييع المسائل أو ضياع الحقوق بحسب تكييف المسألة، هذا عدا ما يترتب على تكوين اللجان من إمكانية الإخلال بسير العمل عطفا على تفرغ موظف أو أكثر لقضية معينة تقع أصلا في حدود مسؤوليات جهة مختصة وكان الأجدر بفريق العمل فيها أن يضطلع بالمهمة بحكم الاختصاص مع معايرة الأمور على شوكة ميزان الأنظمة المرعية والفصل فيها في إطار أخلاقيات المهنة وأمانة المسؤولية الوظيفية. بالإضافة إلى استنزاف الخزينة العامة لتسديد تكلفة مهام اللجان من بدل انتداب وخلافه. إلى ذلك يوجد أكثر من جهة رقابية وقانونية يمكن لأي جهة رسمية إن أربكها الظن وفقدت الثقة في إمكانية الجهة المختصة طرفها أن تستأنس بمرئيات أي من هذه الجهات لضمان الصحة والحيادية إن كان هذا هو الهدف من تكوين اللجنة أساسا.
رأيي أن الإسراف في الأخذ بأسلوب تكوين اللجان حتى تحت مبرر تنوع الجهود وتضافرها لغرض الحيادية رغم وضوح الأنظمة وسهولة تتبع الخلل بمطابقة الإجراءات أو التصرفات على نصوصها لا يخرج عن دائرة التعبير الصريح عن حالة الانكماش المهني هذا إذا أحسنا النية! يبقى أنه من اللافت أن يُمتهن هذا المبدأ ويصبح ضرورة يركن إليها المسؤول كلما حك رأسه في الوقت الذي يمكن لتطبيق الأنظمة بحيادية وصرامة أن تفعل فعلها وتفي بكل غرض.