في مخطط الفهد شرق السريع بجدة الذي أسكن فيه لا تزال المساجد تتحدث عن الطوائف الإسلامية بالتكفير والتبديع وشحن النفوس والعواطف، وليس في هذا الحي فقط بل في كثير من المساجد.

وإذا كانت القرارات الملكية واضحة وتحذيرات الوزارة معممة وأحداث الدالوة التي قتل فيها عدد من إخواننا الشيعة تحت هذه النزعة الخطيرة من أدعياء الإسلام، فما الذي ننتظره لإسكات هذه الأصوات الداعية للفتنة؟
في الجمعة الماضية خطب شاب صغير نيابة عن الخطيب الأصلي الذي يحمل نفس الطريقة والأسلوب وتعرض لعدد من الشخصيات التاريخية الكبيرة التي هي رموز عند أصحابها ومشهود لها بالإمامة في الجانب السلوكي والتربية النفسية على مستوى الأمة، فأخرجها هذا الجاهل عن مكانتها وتنقصها على المنبر والمسجد مكتظ بمن يحبون هؤلاء الأئمة ويتبعون أقوالهم، ووصل به الحال إلى اتهام الأمة بالشرك والوثنية!
إن إهانة الطوائف الإسلامية على المنابر كالشيعة والصوفية أو حتى وسم عدد من الشخصيات بالإلحاد والعلمانية وكثير منهم يصلي الجمعة مع المسلمين في مساجد أخرى، ليدل على أن هناك نزعة لا تنطفئ بالقرارات والتعميمات بل بالطرد من المنابر، لأن ذلك من أشد أسباب الفتنة والتحريض عليها والحشد لها.
الذي يجب على الوزارة هو ألا تعتمد على القرارات والتعميمات الرسمية، بل عليها أن تسعى لبث فكرة التعددية عند الأئمة الذين تنتشر بينهم ضحالة الفكر وتقديس الرأي، وتقيم الدورات الخاصة عن مفهوم التعايش بين الطوائف والأديان وما تمخضت عنه صحيفة المدينة وأمثالها في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتبين لهؤلاء عن طريق اللقاءات والرسائل والكتب أن الطوائف الإسلامية لها أدلتها ومبادئها ومرجعياتها فإن كنا لا نتفق معهم فلا يجوز أن نهينهم على المنابر ونتعرض لعلمائهم ومذاهبهم لأن الزمن على مدار ثلاثة عشر قرنا أثبت أنه لا يمكن إلغاء هذه الخلافات، ونحن حين نسمع من يشتم مذاهبنا في القنوات وعلى المنابر في أماكن من العالم نضج ونغضب ونلعن من خالفنا.
ليس لنا طريق إلا التعايش وإسكات الحناجر التي تسعى من حيث لا تعلم إلى تقويض أمننا ونشر الفتنة بين المواطنين.