قامتها صلبة لا تنحني، صوتها مجلجل يسمعه البعيد، ورأسها يرسل الشّرر. يهرولون في تلبية طلباتها مع ما ينالهم من تعب وبلاء وضياع من الأوقات والعقول، تنجح في إغرائهم فينحنون أمامها ويميلون على يدها ثم يتساقطون حولها بانتظار المزيد.
كلما قابلها خفية لا يملك إلا أن يقبل يدها ولا يرفع فاه إلا بعد أن يسري لهيب القبلة في جوفه وتبث فيه سحرها الخفي المهلك، حتى لم يعد يطيق فراقها، اعتقاده العميق منذ صغره أن الالتزام بمظاهر القوة والشهرة يكسبه القوة والشهرة أيما كانت حقيقة تلك المظاهر.
رأى هذه الساحرة النحيلة يسعى وراءها الكبار سعيا، فتعلّم أن وجودها دليل على وجود الرجال فأدمن صوتها ورائحتها وخدمتها! ارتبطت في ذهنه بالنضوج، وغرامه بها أنساه الادعاءات ضدها بأن سحرها يبثّ الأمراض.
ها هو اليوم يشب ويستقل عن الكبار، يخلق الفرص لينفرد بتلك المعشوقة ويتغنى بإعجابه بها ويستعين بها لتثبت وجوده وليحرك لها الجلساء والصغار والخدم.
إذا ما ثار أو تعكر مزاجه أو فقد تركيزه أو تثاقل عن أداء واجب أو امتنع عن زيارة، تحجج بغيابها عنه وبافتقاده لأثرها الطيب المحرك! أية فوائد يجنيها من حضورها ومن غيابها! أية نشوة عظيمة يعيشها وقد اكتسب بها كياناً أمام الناس! ها هو يرث أمرا يذكرونه به في غيابه ويتحرك له النقاش في حضوره، فهو يهوى الحديث عنها ولا شيء غيرها.
لقد وجدها ولن يفارقها وإن كلفته وآذته وآذت حوله الكبار والأطفال، ومهما التصق به وبهم من رائحتها المنتنة وقذاها القاتم، ومهما حاول البعض إبعاده عنها، فقد استحوذت على قلبه وعقله وفكره.
لقد وجد شخصية لنفسه كما يجد الطفل عودا من الخشب فيتخيل نفسه به بطلا!
لقد وجدها ولن يتركها.. لقد وجد الشيشة!

