معظم التجار في الوقت الحالي لا يستطيعون إخفاء سيلان لعابهم نهمًا كلما مروا إلى جوار منشأة صحية خاصة، خصوصًا بعد اعتماد معظم الشركات العاملة في المملكة على نظام التأمين الصحي.
فيأتي المريض بأيسر الأعراض للتداوي، فيقابله العاملون بالمستوصف أو المستشفى بسؤال: تأمين؟. وكأنهم يتعشقون هذه الكلمة، والتي أصبحت سحرية لديهم تعني لهم: خذ راحتك.
وحينها يقومون بالكشف على جميع دقائق الجسم، وتعريضه للأشعة بدون داع، وتمريره على عدد من الاستشاريين، وإعطائه عددا من المواعيد، والاختبارات ومص دمه، وتحميله بعدد من أكياس الأدوية، غير آبهين بما يسببه ذلك للمريض المخدوع من أضرار جانبية على الكلية والكبد، مما يدخله دوائر الوهم!.
وزارة الصحة قامت بإصدار عدد من القرارات لضبط الوضع، ولكن القرارات منفردة ليست كل شيء، ولن تتمكن من كبح جماح تلك الشراهة الواضحة، وغير المنطقية.
وكم نتمنى أن يتم عمل نظام رقابة شديد على جميع قطاعات العمل الصحي الخاص، بما يخص الأسعار، ونوعية الإجراءات المتخذة على المرضى بدون وجه حق، وبدواعي الكسب المادي فقط، سواء كان ذلك لحامل بطاقة التأمين، أو لمن يريد المعالجة من ماله الخاص.
ونتمنى أن تقوم هذه اللجان بإنذار وإيقاف أي منشأة يثبت فيها التلاعب على المريض، والذي هو المواطن أساس الوطن، والمقيم الآمن على حياته بيننا، ويمكن أن تكون الرقابة أيضا من قبل شركات التأمين بذاتها، لكيلا تتحمل مصاريف عالية ستدفعها دون وجه حق، على إجراءات لم يكن لها من داع.
وبذلك سيبقى سؤال: (هل يسمح للتجار بأن يدخلوا المجال، ويكونوا مالكين لمستشفيات ومستوصفات وصيدليات خاصة دون أن يكونوا أطباء)، حائرًا وحريا بالنقاش والضبط، وأعتقد أن الجواب على ذلك يعتمد على وجود الرقابة المشددة من عدمها، فكنا في الزمن الماضي نعتمد كليًا على ضمير الطبيب الإنسان، وعلى القَسَمْ، الذي يبدأ به حياته العملية، بأن يُخلص لوجه الله في عمله، وأن يتعامل مع المريض وكأنه ذاته، أو أنه فرد من أفراد أسرته، فلا يقوم نحوه بما يضره.
ولكن ما يحدث الآن يدل على أن الأمر قد اختلف كثيرًا، وأن العمل الصحي الخاص قد ابتعد في كثير من منشآته عن دوائر الضمير، فإن وجدت الرقابة اللصيقة، فلن يعود هنالك تخوف من دخول التجار في ذلك المجال، طالما أن الرقابة ستعرف خلال متابعتها وبحثها هل استخدمت ولو قطنة صغيرة أو إبرة من نوعية رديئة، وصعودًا، إلى معدات وأجهزة غرف العمليات والإجراءات الدقيقة، مرورًا بنوعية خبرات وشهادات العاملين فيها، ومدى حاجة المريض للإجراءات المتخذة ناحيته.
الأمر ليس في من يمتلك المنشآت الصحية، ولكنه في من يديرها بضمير حي لا يقبل أن يُدلس أو يغش، وفي رقابة لصيقة وطنية يسهل الوصول إليها؛ رقابة أمينة لا تختل برشوة ولا بجاه.