كشف الاجتماع الأخير لمنظمة أوبك عن أمر مهم وهو أن دول الخليج هي الجبهة الوحيدة القوية الباقية في سوق النفط وليس المنظمة ككل كما يتصور العديد من المراقبين والمحللين.
ففي يوم 27 نوفمبر عندما اجتمع وزراء أوبك في العاصمة النمساوية فيينا في الغرفة المغلقة التي لا يدخلها سوى الوزراء والأمين العام للمنظمة، تقدمت بعض الدول من بينها فنزويلا والجزائر بمقترح يعتمد على إخراج 2 مليون برميل يوميا من السوق في آخر محاولة لإقناع وزير البترول السعودي علي النعيمي ورفاقه الخليجيين بخفض إنتاج المنظمة لدعم الأسعار التي هبطت قبيل الاجتماع إلى أقل مستوى في أربع سنوات.
إلا أن دول الخليج ممثلة بالنعيمي رفضت المقترح لتستسلم ثماني دول في أوبك إلى قرار الأربعة الخليجيين (السعودية والكويت والإمارات وقطر) بالإبقاء على سقف إنتاج المنظمة كما هو عند 30 مليون برميل وهو الأمر الذي جعل الأسعار تهبط بصورة كبيرة عقب الاجتماع ليلامس برميل برنت هذا الأسبوع 65 دولارا.
لم يكن قرار أوبك انتصارا لها بقدر ما هو انتصار لصوت دول الخليج داخل المنظمة.
ودخل وزراء الخليج الأربعة إلى الاجتماع على قلب رجل واحد كما صرح بذلك الوزير النعيمي قبل الاجتماع بليلة للصحفيين وخرجوا على قلب رجل واحد.
ولم تتباين وجهات النظر بين الوزراء في تصريحاتهم عقب الاجتماع، إذ بدا واضحا من تصريحات وزير النفط الكويتي علي العمير ووزير الطاقة الإماراتي سهيل المزروعي أن دول الخليج مستعدة لتقبل أي سيناريو للأسعار حتى تتوازن السوق بنفسها.
ويأتي الرفض الخليجي مبررا، إذ إن دول أوبك التي اشترطت تخفيض إنتاج المنظمة بواقع 1.5 مليون برميل يوميا إضافة إلى 500 من روسيا والمكسيك، كانت تضع في حسبانها أن تتحمل دول الخليج الجزء الأكبر من التخفيض.
فلقد رفضت العراق وإيران وفنزويلا وليبيا قبل الاجتماع قبول فكرة أن يخفضوا إنتاجهم ولم يتبق حينها سوى إقناع الخليج بالتخفيض لإنقاذ الأسعار.
واستطاعت دول الخليج أن تحكم قبضتها على المنظمة وعلى السوق اليوم لأنها في وضع أفضل من باقي دول أوبك حيث تمكنت من بناء احتياطيات مالية واسعة خلال السنوات الثلاث الماضية عندما كانت أسعار النفط مستقرة عند 100 دولار.
وتستطيع هذه الدول التكيف مع أسعار نفط أقل في ظل الانخفاض الحالي.
إلا أن دولتين من دول الخليج منتجتان للنفط وليستا عضوا في أوبك وهما البحرين وعمان، قد تواجهان صعوبات أكبر من الدول الأربع الباقية في مجلس التعاون الخليجي.
ميزانيات الخليج وأسعار النفط
وتظهر تقديرات مصرف دويتشه بانك أكبر مصرف ألماني أن دول مجلس التعاون الخليجي الستة ككتلة تحتاج إلى بقاء سعر النفط عند 89 دولارا هذا العام حتى تعادل ميزانياتها ولا تحقق عجزا.
وإذا ما أرادت هذه الدول الإنفاق بنفس المستوى الحالي في العام المقبل فإنها ستحتاج إلى بقاء سعر النفط عند 94 دولارا.
لكن دول الخليج في الأرجح ستضطر إلى تعديل ومراجعة أسعار التعادل التي ستحتسب على أساسها الميزانية العام المقبل.
وسعر التعادل هو متوسط سعر برميل النفط، الذي يحقق التوازن بين الإيرادات والمصروفات في الموازنة.
وطبقا لتقديرات دويتشه بانك فإن البحرين تحتاج إلى سعر نفط بنحو 136 دولارا لتعادل ميزانيتها في العام الحالي نظرا لأنها تعتمد على النفط أكثر من باقي دول الخليج لتمويل إنفاق الحكومة.
وستكون البحرين التي يقارب إنتاجها اليوم من النفط نحو 200 ألف برميل يأتي 150 ألف برميل منها من حقل أبوسعفة البحري المشترك مع السعودية، أكثر دول الخليج الستة تضررا من انخفاض أسعار النفط.
ويلي البحرين في التضرر من هبوط أسعار النفط هذا العام عمان التي تنتج قريبا من مليون برميل يوميا لكنها تحتاج إلى سعر نفط عند 100 دولار لمعادلة ميزانيتها كما يقول دويتشه بانك.
أما دول الخليج الأربع الباقية فكلها في مأمن هذا العام من تراجع أسعار النفط، حيث تحتاج الكويت إلى 75 دولارا للبرميل وتحتاج قطر إلى 71 دولارا فيما تحتاج الإمارات إلى 80 دولارا للبرميل، وأخيرا السعودية بنحو 99 دولارا للبرميل.
مخاوف موديز
وانعكست القدرات المتفاوتة بين دول الخليج لامتصاص صدمة الأسعار الحالية على تقديرات وكالة موديز للتصنيف الائتماني التي قالت بالأمس إن البحرين وسلطنة عمان هما الدولتان الأكثر تضررا في منطقة الخليج من تراجع أسعار النفط في العام المقبل، لأن أسعار تعادل النفط في موازنة كلا الدولتين مرتفعة بالإضافة إلى أن لديهما أدنى مستوى للاحتياطي النقدي في منطقة الخليج.
وذكرت الوكالة في تقرير حصلت “مكة” على نسخة منه، أن الكويت وقطر هما الأكثر مرونة في مواجهة التراجع في أسعار النفط، نظرا لتراجع سعر تعادل برميل النفط في موازنة الدولتين، بالإضافة إلى المخزون الكبير للاحتياطات المالية لديهما.
وذكرت موديز أن الكويت وقطر والسعودية والإمارات العربية لديها قدرة في الخروج من أي أزمة ناتجة من تراجع أسعار النفط، فالسعودية والإمارات لديهما قطاع اقتصادي كبير غير نفطي بالإضافة إلى الاحتياطيات المالية الكبيرة.
وأشارت الوكالة في تقريرها الصادر اليوم أن صناديق الثروة السيادية في الكويت والإمارات وقطر والسعودية يمكن أن تغطي لسنوات النفقات الحكومية لتلك الدول، لكن البحرين وسلطنة عمان لا يمتلكان هذا المستوى من الأموال لتغطية الإنفاق.

