من الملاحظ بكل أسى، أن الكثير -إن لم يكن كل- خطط التنمية للمدن والتجمعات الحضرية تركز على الجمادات
أعني جوانب التخطيط العمراني من شوارع ومساكن وشيء من خدمات
رغم أن هناك مثلا مكاويا شهيرا يقول: «جنة بلا ناس، ما تنداس»
فكثير من (جهابذة) المخططين يرون أن العناية بالبيئة المحيطة بالإنسان ستوفر للإنسان الحياة الهانئة
وتخلق منه الإنسان السعيد والمثالي، بغض النظر عن مشاكله الحالية ومتطلباته الأخرى
قد يكون هذا الأمر صحيحا بشكل جزئي في حالتين: الأولى: أننا نبدأ من الصفر، أي كما لم يكن هناك حضارة ولا مدنية ولا من يعيشون
والثانية: أن جميع من سيعيشون هناك لهم نفس التوجهات حول الجميل والقبيح والمستساغ والمكروه
ولهم نفس الطموحات والتطلعات
ولكن مع الأسف، فلا مدننا الكبرى بمدن الأمس القريب
ولا مجتمعاتنا بالمجتمعات المتجانسة
وكلا الحالتين لا تنطبقان على مجتمعاتنا
هذا الوضع المختلف لحد التنافر
يفرض عدم الاكتفاء بالتخطيط العمراني كوسيلة رئيسة لتخطيط التنمية، ولكن يستدعي دارسات متعمقة لتأثير التطور العمراني على حياة الناس أسلوبا وعادات وتقاليد
ناهيك عما أفرزته سنوات الطفرة من خلل مجتمعي
بل يتعدى ذلك إلى تأثير ذلك على الاقتصاد المحلي وعلى عملية التنمية في المنطقة واستدامتها
لأن عدم العناية بشكل جاد وفعال بمتطلبات الناس الحالية والمستقبلية وعدم تفهم نظراتهم المختلفة يؤدي حتما إلى استخدامات متناقضة لما يؤسس من خدمات ومرافق
والأدلة أكثر من أن تحصى في المرافق والشوارع التي تنشأ في كافة المدن والقرى
وتزداد المشكلة تعقيدا، مع زيادة التنوع العرقي في المجتمع وقصور القوانين والإمكانات عن توفير أبسط الخدمات بشكل فعال
ما يعنينا في كل هذا، هو ما حدث ويحدث في مكة المكرمة من طفرة مؤثرة في مجالات متعددة
ولكننا لا نرى إلا العناية بجزء بسيط من تلك المجالات
وتركت جوانب أخرى لأهواء المستثمرين وثقافة الجهات التنفيذية وصناع القرار فيها
ومكة سمتها أن فيها ما ذكر من تنوع عرقي واختلاف في الثقافات وبشكل مستمر
قالوا بترك المنطقة المحيطة بالحرم للحجاج والمعتمرين
واعتنوا بتجهيز تلك المنطقة للزوار لذلك
وتناسوا، سهوا أو عمدا، تجهيز المساحة الباقية من مكة لعيش جيرة الحرم من أهل مكة
بل تركوهم لإيجاد البديل تحت رحمة سوق العقار الذي قلل من القيمة الشرائية للتعويضات
من ناحية أخرى، نجد أن التوسعات في المنطقة المركزية أدت إلى سعات استيعابية أكبر بكثير من السعات الاستيعابية السابقة، إلى الدرجة التي كان يمكن معها إبقاء أهل المنطقة المركزية في المنطقة المركزية بجانب السعات المطلوبة للحجاج والزوار والمعتمرين
مما يساعد على توفير القوى البشرية اللازمة والضرورية لخدمة الأعداد المتزايدة وتحقيق التواصل الاجتماعي بين أهل مكة وزوارها، الذي كان إلى عهد قريب
ذلك التواصل الذي كان أساس السمة الاجتماعية للمجتمع المكي على مر العصور
هذا كلام لا يختلف عليه مكيان، وليس فيه من عيب سوى أنه سيقلل من المكاسب المادية للاستثمارات المهولة في المنطقة
عند مقارنة تكاليف اليد العاملة المستقدمة بتكاليف اليد العاملة الوطنية
و كما نقول في مكة «نحن فيها» وفي غمرة فورة البناء، ترى لماذا لا تتاح الفرصة لتملك أهل مكة أجزاء من مشاريع المنطقة المركزية تتناسب مع السعة التي كانت لهم، للعيش والاستثمار؟
وفي نفس الوقت التخطيط لبناء مكة الحديثة خارج المنطقة المركزية بتصاميم تتلافى كل المشاكل السابقة وتوفر لأهل مكة الحياة التي تحقق روحانية المكان وخصوصية المكانة؟
ويتحقق للمستثمر بمشيئة الله، بجانب المنفعة المادية، أجر الخدمة للبلد الحرام وزواره وساكنيه
اليد العاملة المكية ومجتمع مكة
حسن عبدالشكور3 دقائق للقراءة

حجم الخط
