ما يقوم به خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز حاليا ومنذ فترة ليست ببعيدة، لرأب الصدع وتضميد الجراح في العالمين العربي والإسلامي، ربما يكون أهم المحاولات التاريخية منذ 1973 التي يقوم بها زعيم إقليمي من طراز فريد لإنقاذ المنطقة من التحالفات شبه الموضوعية على حساب «العرب» والمسلمين السنة، والتي تتصارع على احتكار الحرب والسلم في المستقبل المنظور.
قل ما شئت -عزيزي القارئ- في تزامن زيارة كل من السيسي وإردوغان إلى المملكة العربية السعودية، وهل هي مجرد مصادفة أم بغرض المصالحة؟ .
.
يكفي أمر واحد هو أن هذه الزيارة كشفت عن حكمة السعوديين، إذ سلطت الضوء بقوة على مكمن المشكلة والحل في معظم الترتيبات القادمة في الشرق الأوسط.
لقد أظهرت التطوّرات على الأرض أنّ تركيا بمفردها (دون العرب) لا تتمتّع بنفوذ كبير في المنطقة وملفاتها الشائكة، كما اعتقدت في الماضي، وأنّه لا خيار فعليّاً أمامها سوى العودة إلى العمل مع الحلفاء الإقليميّين لمواجهة الأوضاع الجديدة التي تشكّل خطراً على أمنها القوميّ: تحول إيران من خانة «العدو» إلى «الحليف» للولايات المتحدة لا سيما بعد إنجاز الاتفاق النووي الإيراني، خطر الإرهاب العابر للحدود التركية، اقتراب الإعلان عن ميلاد دولة «كردستان»!.
إنّ النزعة إلى إقامة تحالف إقليميّ (سني) محتمل بفضل جهود خادم الحرمين الشريفين، لمجابهة التحولات الاستراتيجية في الشرق الأوسط الجديد، أصبحت ضرورة ملحة.
أولا: ووفقا لتقرير بمجلة فورن بوليسي الأمريكية فإنه وحتى 2008 اتبعت تركيا سياسة «صفر مشاكل» مع دول الجوار في الشرق الأوسط،، واستخدمت المهارة الدبلوماسية في المناورة لتشتيت الاختراق الإيراني العربي، بالتأكيد على هوية تركيا السنية، من دون الدخول في مواجهة مع إيران، أو في مواجهة مباشرة لمصر.
إلا أنها انقلبت على هذه السياسة وأصبحت فاعلة على الساحة الدولية، إذ تبنت المنطلق الفكري للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وتوظيف استخدام القوة المسلحة للجماعات الجهادية.
ثانيا: هذا التحول عبر عنه «سركان سافليو أوغلو»، الباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط في معهد «اسام» للدراسات الاستراتيجية بأنقرة لـ«الشرق الأوسط» (28 يناير 2009) قائلا: إن التحركات السياسية التركية المحمومة في ملفات الشرق الأوسط والتي تزايدت وتيرتها في الأشهر الأخيرة تأتي انطلاقا من اعتقاد تركيا أن مستقبل التطورات في الشرق الأوسط سيعتمد إلى حد كبير على نوع العلاقات الإيرانية – الأمريكية خلال الأعوام المقبلة، مشيرا إلى أن الانغماس التركي تحركه رغبة أنقرة في أن تمارس دورها الطبيعي في المنطقة بقدر حجمها ومصالحها.
ثالثا: المشكلة بين مصر وتركيا أعقد بكثير من حصرها في شخصي «السيسي» و»إردوغان»، لأنها تتعلق بنظامين متناقضين تماما للحكم في البلدين (يمثل كل منهما تهديدا وجوديا للآخر)، وهي تتمثل ببساطة في (بنية العلاقة وصيرورتها التاريخية) بين المؤسسة العسكرية والإسلاميين في كل من مصر وتركيا.
مخاوف إردوغان المشروعة تتمثل في أن ما قام به الرئيس السيسي مع الإخوان المسلمين، ربما يشجع جنرالات الجيش التركي على العودة مجددا للاستيلاء على السلطة، خاصة بعد منح الأسرة الدولية الشرعية للسيسي في ظل ترتيبات تحاك في السر وفي تكتم شديد لإعادة ضبط إيقاع حركة الإسلام السياسي وتجديد الخطاب الديني في المنطقة والغرب!وهنا يمكن أن نفهم: لماذا جرى التعامل من قبل تركيا الرسمية مع الرئيس السيسي باعتباره «انقلابيا» عزل السلطة المدنية المنتخبة، وهدم التحول الديمقراطي بعد إقصاء الإخوان المسلمين من الحكم، ولماذا يجري التعاطي المصري رسميا مع إردوغان بوصفه إخوانيا، وأن مواقفه المتشددة مما حدث للجماعة، تؤسس على عضويته في التنظيم الدولي.
ما هي الصيغة العبقرية للمصالحة التي يحملها خادم الحرمين الشريفين في جعبته؟ فلننتظر.
.
ونثق.