في براثن نظام المدارس النظامية، نسبة إلى الوزير السلجوقي الملقب بنظام الملك (ت 1092م)، والتي تسمى اليوم بـ(الدينية)، قيّض الله لتونس مناضلاً ظل استثنائياً إلى أن انتحر (أو نُحر) سياسياً؛ بإعلانه رئيساً أبدياً للجمهورية التونسية (1976م)، هو (الحبيب بورقيبة)، الذي أغلق تلك المدارس فور إعلان الاستقلال، وأقام على أطلالها نظاماً تعليمياً حديثاً، وضع تونس في مقدمة الدول الإسلامية، ولولا الاستبداد المؤبد، واختزال الدولة في شخصه لارتقى بها إلى العالم الأول!
ولكن رغم ارتكاس الدولة سياسياً وإدارياً، على يد فلول الفكر (المدرسي النظامي) بقيادة (الرئيس الأبدي)، إلا أن أول جيل للنظام التعليمي العصري كان قد تشكل ونضج، بحيث لم يعد بالإمكان ترويضه، ناهيك عن تدجينه؛ لقبول النكوص إلى تونس ما قبل التاريخ!
وخير ممثل لذلك الجيل هو المناضل القدير منذ الستينات الميلادية (الباجي قائد السبسي)، الثمانيني المتربع اليوم على كرسي الرئاسة؛ بوصفه أول تونسي تزفه صناديق الاقتراع، محفوفاً بالزغاريد، مكللاً بالياسمين البلدي؛ لتشهد سيرته الوطنية الحافلة: أن التاريخ لا يظلم ولا يرحم!
والسؤال هو: كيف نجحت ثورة الياسمين في تونس، بينما غدت كل النباتات غثاءً أحوى، في بقية ما يعرف بـ(دول الربيع العربي)؟
لن تجد ميزةً لتونس وشعبها عن البقية غير النظام التعليمي الحديث، الذي تربى عليه (المنصف المرزوقي) و(راشد الغنوشي) جنباً إلى جنب! ودفع المناضل (حمادي الجبالي) للاستقالة من منصبه رئيساً للوزراء في الحكومة الانتقالية؛ على خلفية اغتيال المناضل المعارض لفكره وسياسته (شكري بلعيد)!
والنظام التعليمي الحديث هو الذي مكّن الشعب التونسي من فهم رسالة الاغتيالات وخطابات الرعب (الإخوانية) في الوقت المناسب، بينما لم يفهمها المصريون إلا متأخراً، ولم يفهمها الليبيون إلى اليوم!
والنظام التعليمي هو الفارق بين (إخوان حركة النهضة) و(إخوانهم) في بقية (الغثاء الأحوى)، فلم ينخدعوا مثلهم بشعارات (الولاء والبراء)! ولم تنطلِ عليهم عنتريات قناة (الجزيرة)، التي لم تتورع مهنيتها الإعلامية عن نشر التسريبات الحقيرة، كأنها غريق يتعلق بأي قشة!
وهو الفارق الذي يجب أن يستحضره كل (وزير للتعليم)، في أي بلد عربي: فإما التغيير، وإما الإيمان بأن الأرض لا تدور!!!

[email protected]