لا شك في أن السعودية تجابه للمرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية (1945) سياقا إقليميا متغيرا يموج بالاضطرابات والتحولات الجيوسياسية غير المسبوقة.
ومع ذلك فقد استطاعت أن تصمد أمام الزلازل التي هزت المنطقة في 1973، 1980، 1990، 2003، 2011.
وأن تتجاوب سريعا مع توابع هذه الزلازل والمتغيرات الدولية وتستوعب كل هذه التحولات الجديدة، بما أتاح لها أن تصبح في قلب الترتيبات الإقليمية وليس خارجها أو على هامشها.
لذا فإن من حق السعودية الآن أن تعيد ترتيب سياساتها وفقا لما تراه مصالحها، مثلما هو حق لدول المنطقة أن تفعل الشيء ذاته.
1  معظم الدول داخل الشرق الأوسط وخارجه تتعجل السعودية الإعلان عن سياساتها الإقليمية، بينما خريطة التحالفات في المنطقة تتميز بالسيولة الشديدة والانعطافات الحادة، لا سيما بعد انهيار النظام الإقليمي العربي رسميا، ما يعني أن المنطقة برمتها قيد التشكل الآن، وأي خطأ في الحسابات السياسية والجيوستراتيجية قد يكلف كثيرا وربما لا يمكن تداركه فيما بعد.
2  لا توجد دولة تأثرت بالمتغيرات السلبية التي شهدتها المنطقة مثل السعودية.
فقد عانت أكبر دولة عربية وإسلامية من تداعيات ما يعرف بالربيع العربي في مصر وتونس وسوريا وليبيا وحتى البحرين واليمن، وهو ما أفرز ظاهرتين جديدتين: الأولى انقسام العالم السني لمعسكرين متضادين في الرؤية والهدف والوسيلة.
والظاهرة الثانية بروز مجموعات جديدة من التنظيمات المسلحة (ينتمي معظمها للسنة) مثل داعش وجبهة النصرة أصبحت تشكل خطرا داهما لا بد من مواجهته بحزم وحكمة في الوقت نفسه.
3  لقد أدى ذلك لإضعاف المعسكر السني في مواجهة الهلال الشيعي بالعراق وسوريا ولبنان وصولا لليمن، إلا أنه للمرة الأولى في التاريخ الحديث أصبحت المشاكل تحاصر السعودية من الشمال والجنوب: الشيعة والحوثيون في نفس الوقت، بينما لا تتأثر بقية دول المنطقة (السنية) بنفس القدر من المشاكل على ضخامتها.
4  المشكلة الأكبر التي تواجه السعودية تتمثل في حلفائها الذين يصعب التوفيق بين خلافاتهم وأهدافهم المتباينة: مصر وتركيا وقطر.
فقد ثبت بالدليل القاطع أن مصالح السعودية وقطر لا يمكن أن تجتمع في العلاقة مع مصر أو تركيا والإخوان المسلمين، والعكس بالعكس.
وعلى سبيل المثال هناك من يستغل سعي السعودية لتخفيف الضغط الإيراني عليها بتوطيد العلاقات مع تركيا بالطعن في علاقاتها التاريخية بمصر.
5 على الرغم أنه من الناحية التاريخية لم يكن هناك صراع بين العرب السنة وبين إيران الشيعية إلا مؤخرا، فإنه لم يكن ينافس تركيا العثمانية على النفوذ في الشرق الأوسط إلا إيران الصفوية، وكثير من الهجائيات المذهبية الحادة بين السنة والشيعة هي من نتاج تلك المرحلة الشرسة من الصراع الامبراطوري بين إيران وتركيا أو بين الصفويين والعثمانيين.
ما يعني أن عودة التنافس بين تركيا وإيران بالمنطقة من جديد، سيؤثر على مكانة السعودية بلا شك.
6  إذا كانت السعودية تمر الآن بمرحلة إعادة ترتيب البيت من الداخل، مع تسلم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز مقاليد الحكم، فإنها لا تستطيع تقديم المزيد من التنازلات للحلفاء والأشقاء في هذه المرحلة الحرجة دون أن يقدموا بالمثل بعضا منها.
المعضلة التي تواجه السعودية لم تعد إيران فقط وتوابعها وذيولها أو حتى الإرهاب، إنما بعض الدول السنية فضلا عن بعض دول مجلس التعاون الخليجي!