تحول الراديو من صندوق يتحلق حوله أفراد الأسرة في سهراتهم اليومية، وينقل إليهم أخبار العالم، إلى مجرد أداة للترفيه، فالمتلقي البسيط في العالم العربي، تعرف على أسماء المؤلفين العالميين، استمع إلى وصلات موسيقية شهيرة، تعرف على مدن وأنهار، ومكاتبات عالمية، من خلال الصندوق الناطق، فقد كان الراديو يؤثر حتى على مستوى الحوارات في الجلسات العائلية بعد الاستماع إلى محتوى البرامج الإذاعية، التي ساهمت في فترات سابقة ببناء ثقافة الأجيال.
من المحتوى الكلاسيكي إلى الترفيهي
تقول جيسي كرم، مذيعة في بانوراما إف إم: إنه ومنذ نحو خمس سنوات شهد الراديو نقلة نوعية بالنسبة للمحتوى حيث انتقل من برامج بمحتوى كلاسيكي إلى برامج ترفيهية، كان هذا التحول مطلوبا في فترة معينة في بعض البرامج الإذاعية، وأضافت «ومع ازدياد الإذاعات المرخص لها في السعودية أصبح هناك طفرة إعلامية ترفيهية على حساب البرامج الثقافية، وتقليد بعض الإذاعات لبعضها هو المشكلة، لدرجة بات المحتوى الترفيهي أكثر من الثقافي، ونجاح بعض البرامج والمذيعين في مثل هذه البرامج جعل بعض الإعلاميين يعتقد أنها الوسيلة الوحيدة للوصول إلى المستمع، وهنا أصبحت الظاهرة غير صحية».
وتضيف جيسي بأن الضغوطات الاجتماعية لها دور في إنتاج مستمع يفضل الأجواء الترفيهية، ولكن لا يمكن الحسم في هذا الموضوع وتعميمه وإلقاء اللوم على المستمع، ففي النهاية تقع المسؤولية على عاتق المذيع وسياسة المحطة الإذاعية.
وبرأي جيسي كرم ومن واقع خبرتها، فإن المحتويين الثقافي والترفيهي مطلوبان ولكن هناك دورا للمسؤولين عن محتوى البرامج وللمذيعين أيضا في مراعاة الاتجاهين، وأن تحرص الإذاعات على تقديم البرامج الثقافية التوعوية في فتراتها، لأنها مطلب أساس لتثقيف المستمع الإذاعي.
حراك إيجابي
الإذاعية دلال ضياء، أوضحت بأنه في الإعلام المسموع والمرئي من المهم أن تتوافر أربعة أسس في مضمون الرسالة الموجهة للمتلقي (الجمهور) وهي الأخبار، والتثقيف، والتعليم، والترفيه، لتؤدي الرسالة دورها في التأثير على المتلقي، مؤكدة أن هذا لا يعني تقديم رسالة جامدة شديدة المباشرة، بل تكون الرسالة متقبلة تحدث تأثيرا وتفاعلا مع المتلقي بلغة جاذبة، وأضافت «يؤسفني أننا نلاحظ حاليا عملية تسطيح للرسالة الإعلامية ضمن محتوى البرامج، فالمعلومة قليلة المصداقية، تعتمد على ما يحصل عليه المذيع من وسائل التواصل الاجتماعي التي تعتمد على الشائعات، واللغة متدنية المستوى لا تراعي آداب التخاطب الذي يرقى بالمستمع، فالوسيلة الإعلامية تعتبر قدوة إذا كنا لا نريد لها أن تخاطب المتلقي من برج عاجي فإننا أيضا لا نود لها أن تتدنى إلى مستوى السوقية والانجراف وراء مصطلحات متداولة لدى فئات من الناس عديمي الثقافة مسطحي القيم والآداب العامة».
وأشارت ضياء إلى أن محتوى البرامج الثقافية أيضا جاف ومليء بالمصطلحات العلمية التي لا يعرفها المستمع دون وجود محتوى جاذب للمتلقي، أما البرامج الترفيهية فهي في مجملها من واقع متابعة المتخصصين تعتمد على الترفيه من أجل الترفيه وهذا لا بأس به، ولكن ليس من خلال مواضيع تافهة تغيب عنها المهنية وتعتمد على الضحك بين المذيعين والمتصل والكركرة غير اللائقة، بل أحيانا لو وجدت المعلومة نكتشف أن المذيع غير مستوعب لها.
ولفتت دلال ضياء، إلى أن البرامج أصبحت تتناول أحيانا مواضيع مهمة يفشل المرسل في احتوائها وتقديمها كوجبة يمكن للمتلقي أن يشارك في تحضيرها وتذوقها، مضيفة «أستطيع إغفال التحدث عن غياب الالتزام بصحيح اللغة العربية، وإذا جاءت تأتي مليئة بأخطاء متكررة تدل على الجهل بها لا على السهو، لا يصح أن نستخف بها وخاصة حينما يدخل المرسل (المذيع أو المذيعة) كلمات أجنبية مثل أوكي وواو وسوري وغيرها من التعبيرات الأجنبية التي لو حدث واستخدمها مذيع في إذاعات فرنسا وألمانيا وإنجلترا لفصل من عمله وعوقبت القناة التي بثت البرنامج، فلماذا نحن العرب وليس فقط في المملكة نتغاضى عن احترام لغتنا؟».

