مستندة على «حوض الموت» _ كما تطلق عليه دائما _ تشرع عواطف منشي في النظر إلى جثة هامدة أمامها، فقيامها على مدى 10 سنوات بتجهيز أكثر من 300 جثة، كان كفيلا بأن يساورها شعور من يساق إلى قبره وهو بجوف غرفة لا تتجاوز أبعادها حجم قامته
24 ساعة فقط شكلت فارقا في حياة السيدة الخمسينية التي تحولت من معلمة رياضيات بمدرسة ابتدائية قريبة من منزلها بمكة إلى مغسلة أموات، وأحيانا مدرسة في تحفيظ للقرآن
تقول منشي وهي تشير بكلماتها إلى يوم عالق في ذاكرتها: قبل 12 عاما مرضت ابنة شقيقة زوجي وفي ذلك الوقت هاتفتنا والدتها مستنجدة بنا، فتأهبنا للذهاب إلى حيث تسكن في حي الشرائع، وقبل وصولنا كانت الفتاة قد فارقت الحياة
وكانت أفنان 19 عاما توفيت إثر تعرضها لأزمة ربو حادة، كان سببها إقدامها على الاستحمام في يوم ماطر شديد البرودة
ولا تخفي منشي مشاعرها عندما تحكي عن حبها للفتاة التي جاء خبر وفاتها صادما للجميع «فارقت الحياة وهي شابة يافعة في مقتبل العمر، لم تهنأ بأول عام جامعي لها»
وتكمل: بعد وفاتها استغرقنا يوما كاملا في البحث عن سيدة تقوم بغسلها، ما جعلنا نعود أدراجنا _ تقصد هي وزوجها_ إلى مكة للبحث عن مغسلة، وهي في الطريق راودتها فكرة أن تقوم بغسل الفتاة، لكن عائقا كان يحول دون قيامها بتلك المهمة ألا وهو جهلها بطريقة الغسل الصحيحة، تقول: لكن في الأخير توصلنا إلى إحدى المغسلات التي تطوعت بالمجيء معنا
ثمة تغيرات طرأت في حياة منشي، خاصة فيما يتعلق بمسيرتها المهنية، فقد قررت بعد مرور ثلاثة أشهر من رحيل أفنان أن تجعل من غسيل الموتى مهنة لها وعلما تدرسه وتعمل على غرسه لدى الراغبات في اقتحام هذا المجال
مغسلة الشرشورة كانت أول درجة أصعدها، من ثم تروي كيف أنها وصديقتها أم أحمد عملتا على تأسيس مغسلة المهاجرين - ساعدهم في ذلك زوجها- بدايتنا كانت في غرفة صغيرة وضيقة لا تتسع سوى لحوضين، عملنا على تنظيفها وتجهيزها لاستقبال الحالات إلى أن من المولى علينا وانتقلنا لهذا المبنى – تقصد المبنى الحالي للمغسلة بجامع المهاجرين- بعد أن واجهنا عددا من العقبات والصعوبات، لكن تخطيناها بفضل من الله
كيف قمت بالتنسيق ما بين مهنتك كمعلمة ومغسلة أموات؟ ترد دون تفكير بـ»المسايسة والدهاء» فكثيرا ما تحايلت الأم العاملة على مديرة مدرستها، وتفننت في استعطافها بتذكيرها بالثواب والأجر متى ما سهلت لها أداء مهمتها
اليوم كل ما تتمناه عواطف، المشرفة على القسم النسائي بمغسلة المهاجرين أن ترتقي المهنة بأخلاقياتها، والتي تتمثل بحسب ما ترى في الابتعاد عن مفهوم «تأدية الواجب»، وتجسيد العمل في التمسك بأحكام السنة والتحلي بالأمانة والرحمة والرفق، ومراعاة عورات النساء وعدم السماح لأحد برؤيتهن غير الأقرب لهن، وأن يكون عملا خالصا لوجه الله تعالى، فمتى ما خافت المغسلة ربها حافظت على ما بين يديها