كان انتشار المدارس (النظامية) مؤشرا على تدهور الحضارة الإسلامية في المشرق، وسببا مباشرا لسقوط الدول (الإسلاموية) التي كانت تستخدم الدين لتمطيط وجودها البائس في الأندلس، بعد أن حورب العلم والفكر والفلسفة، وأحرقت كتب (ابن رشد) من قبل خريجي تلك المدارس، التي يهيمن عليها (أهل الخطاب) بكل ما عرفوا به من معاداة للعقل وحرب للمختلف مهما كان اختلافه هامشيا!
فلم يقتصر إقصاؤهم على الفلاسفة الصرحاء (المناطقة أهل الجدل) بل تعداه إلى من يخالفهم في الجهر بالبسملة أو إسبال اليدين في الصلاة!
ولم يقف تحريمهم للعلوم عند الرياضيات والكيمياء والفلك، بل عُطِّل الاجتهاد الفقهي، وكُفِّر كل من يأتي بجديد، وإن كان (ابن تيمية) بجلالة قدره! وهو خير شاهد على التطرّف العاطفي عندهم: فمن تكفيره بسبب رأيه في الطلاق، إلى تسميته بـ(شيخ الإسلام)، والتعصب لرأيه حتى فيما لم يكن موجودا في عصره!
وحُنِّط علم (الجرح والتعديل) لتخلو الساحة لآلاف الأحاديث المكذوبة على سيدنا محمد (فداه كل من خان رسالته وشوه تعاليمها)، ليس تزلُّفا للحكام مثل (اتركوا التُّرك ما تركوكم) وحسب، بل وحتى لتسويق بعض المأكولات! ولو أعمل (أهل الخطاب) عقولهم لحظة لما انتشرت أكاذيب (الخل والثريد والحبة السوداء) على نبيٍّ كانت تمر عليه الشهور لم يوقد في بيته نارا!
وبفضل هذا النظام في التجهيل الممنهج على مدى (8) قرون، ها نحن نقبع في ذيل الحضارة بوصفنا الشعب المستهلك الأكبر: نأكل مما تزرع (أستراليا)، ونلبس مما تنسج (الصين)، ونركب مما تصنع (اليابان)، ونسكن في ..... وعود وزارة (الإسكان قريبا!!
والحل (التاريخي) لن يكون في إقصاء (أهل الخطاب) ومصادرة حقهم في الوجود والعيش بالطريقة التي وجدوا عليها آباءهم، وإنما في عدم تمكينهم من أية سلطة من القوى الناعمة (وأهمها التعليم والفن والإعلام)! فالتاريخ يشهد أنهم لا يستخدمون السلطة إلا في التدمير والهدم والقتل ونشر الرعب!
تاريخ تلخصه عصابة (داعش)، وهي نموذج سافر لفكر المدارس النظامية، بتحطيمها لكل ملامح الحضارة، ولو كانت مجرد رموز في متحف!
وصدق (أبو الطيب الكذاذيبي)، القائل منذ أكثر من ألف سنة: يا أُمَّة ضحكت من جهلها الأممُ!!

[email protected]