من أكثر الخطابات التي وجه لها نقد في العقدين الأخيرين هو الخطاب الوعظي، من اتجاهات مختلفة، من داخل الخطاب الإسلامي نفسه أو من خارجه، من خصومه المتربصين به، ومن أقرب الناس إليه.
وإذا كان بعض الخصوم وقعوا في ملاحقة الشذوذات والصور الطريفة الحمقاء التي لا تمثل الخطاب بصورة عامة، والتي توفر مظهرا كريكاتوريا عنه، فإن النقد الداخلي استمر حول العموميات النقدية التي تلامس المظهر الخارجي للخلل وليس العمق مباشرة.
وفي السنوات الأخيرة استفاد من شعروا بأهمية المراجعة من النقد الذي وفرته ردود الأفعال التلقائية من العامة في الانترنت ومواقع التواصل، والكتابات التنويرية النقدية المتنوعة منذ سنوات.
في الواقع ظهر وعاظ جدد فعلا في العالم العربي، وأصبح بعضهم نجوما لكن القضية ليست إصلاح الوعاظ فهم بالآلاف بقدر ما هو إصلاح الوعظ نفسه، والمادة التربوية التي ينطلق خطابه منها من التراث ومن الحاضر، وما يضيفه الواعظ من اجتهادات شخصية، وتقليد متبادل بينهم.
هو الذي بحاجة إلى تقييمه فقهيا وتربويا، ومواجهة هذه المواد المرئية والمسموعة والمنشورات ونقدها مباشرة، وقد توجد اليوم منفردة في مقاطع صغيرة وأحيانا في داخل مادة دينية طويلة، وللأسف قد تجد هذه المواعظ التي تحتوي أخطاء منهجية في مواقع انترنيتية خاصة بأسماء علمية وفقهية بارزة، دون تنقيح أو تعليق عليها.
يقع بعض نقاد الخطاب الوعظي بخطأ منهجي مكرر، وكأنهم يريدون تحويله إلى خطاب فقهي وعلمي صارم، والواقع أن الوعظ المؤثر هو أحد الخطابات التي تحتاجها النفس البشرية كما تحتاج الشعر والأدب والفن والترفيه، وحرفه عن مساره بحجة العلمية هو تطرف آخر كما هو تطرف الوعظ المتشدد في مواجهة أهمية بعض الفنون الأخرى وجعلها نقطة مركزية في خطابه.
الوعظ بطبيعته ليس خطابا علميا جافا، وإنما هو نوع من الفن الذي يشتغل في منطقة التأثير على المتلقي، وتبرز موهبة الخطيب وشهرته كلما زادت مهارته في التأثير على الجمهور وإحداث الصدمة، ورفع مستوى تأنيب الضمير وتهييج المشاعر والبكاء.
ولهذا قد يطرح خطيب قصة من التراث معروفة ومكررة فتمر مرورا عابرا على الجمهور، وقد يطرح آخر القصة نفسها بأسلوبه فتبدو القصة وكأنها جديدة عليهم ومؤثرة.
لكن الوعاظ أنفسهم إذا لم توجد رقابة على خطابهم، ونقد مباشر لهم من النخب العلمية والفقهية، فإنهم يلجؤون في طرقهم للتأثير بأساليب خاطئة، وهذا ما يحدث كثيرا، فتخلق تصورات مشوهة في وعي الجمهور عن حقائق شرعية وترتيب الأولويات الفقهية للحرام والحلال والكبائر والصغائر والمكروهات والمباحات.
ويمكن رصد أنواع كثيرة من الأخطاء الضارة بالتصور الإسلامي الصحيح للأمور في خطابنا الوعظي المحلي، ومن أشهرها التصور الوعظي لسوء الخاتمة، وأصبحت هي اللحظة السينمائية لإثارة المتلقي وتختزل الخاتمة بالثواني الأخيرة من حياة الإنسان.
.
وللأسف أصبحت تمرر نماذج حديثه تختزل سوء الخاتمة بمشاهد معينة، وتربطها بنمط معين من المنكر في نظره يركز عليها الخطيب والواعظ، وتتحول هذه الصغائر وبعضها مختلف عليها لدى الخطيب إلى كبائر ليربك تدين الفرد بالكامل وخاصة الأطفال والصغار بالمدارس، فتتحول إلى قضية مفاصلة بينه وبين التدين.
حسن الخاتمة أمنية كل مسلم، وهناك كثير من الآثار الدالة على أهمية أن يوفق الإنسان لعمل صالح في آخر حياته، وفي الحديث المتفق عليه «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب.
.
إلخ»، وهناك كلام طويل للسلف حول هذا الحديث وغيره، لفهم أكثر فقها لهذه القضية.
سوء الخاتمة لا يعلمه أي إنسان عن الآخرين.
.
فهي من أمور الغيب، فلا نستطيع أن نحكم على أن فلانا ختم له بسوء أو بخير، مهما كانت الصورة الظاهرة لللآخرين.
.
فقد يموت في أرض الجهاد أو غيره وتبدو خاتمة حسنة وهي ليست كذلك، وقد يكون قارئا للقرآن.
.
وقد وردت آثار من السنة في ذلك.
لكن الخطاب الوعظي المحلي أخذ مسارات عديدة في هذا الاتجاه، وأصبح ينمط صورة سوء الخاتمة وحسنها بصور معينة.
.
ثم تطورت القضية لديهم وأصبح غسيل الموتى هو المختبر الوعظي الذي يستدلون بها في كشف هذا الغيب.
.
بهذا النوع من القصص الوعظية المتكاثرة التي لم تعهد في العصر الأول، وتخالف التصور الإسلامي لمثل هذه القضايا.
»سوء الخاتمة« في الخطاب الوعظي
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
