تشكل حالات المرضى طويلي الإقامة في المستشفيات أحد أكثر الحالات الإنسانية التي تحير الأطباء والكادر الصحي في المستشفيات، فبقاؤهم فيها قد يكون بلا جدوى، كما أنهم يحرمون غيرهم من الاستفادة من أسرة المستشفى، فضلا عن تعرضهم لاحتمالات الإصابة بالعدوى، إثر طول إقامتهم.

مسار المعاملات

تمر معاملة المريض من الطبيب المعالج إلى إدارة المستشفى ثم إلى الأخصائيين الاجتماعيين، لتقييم وضعه الأسري والاجتماعي، وإيجاد السبل الممكنة لإقناع أسرته باستلامه ورعايته، وسط مخاوف الأطباء في المستشفى من إصابة المريض بأمراض معدية نتيجة بقائه الطويل في المستشفى، فضلا عن حاجة المستشفى للأسرة المحجوزة لهؤلاء المرضى، ليستفيد منها مرضى آخرون، والتحقق من عدم مقدرتهم المادية والأسرية للعناية بالمريض.
كما تتولى الشؤون الاجتماعية تقييم وضع المريض من حيث الحالة الصحية والنفسية والعمرية قبل قبوله في دار الرعاية، وإن لم يتم قبوله في الدار، يبقى حبيس الفراش الأبيض بالمستشفى، ووسط كل هذه الإجراءات يعيش عدد من المرضى المقعدين بين أسرة المستشفيات ينقلون من غرفة لأخرى ومن قسم لآخر، تبعا لحاجة المستشفى للسرير.

معدل الحالات

وأوضح مصدر مطلع بصحة الشرقية لـ»مكة» أن نسبة المرضى طويلي الإقامة في مستشفيات الشرقية تتراوح بين 15 و40%، أغلبهم لحالات غيبوبة ومقعدين.
وأشار المصدر إلى أن برنامج الطب المنزلي خفض عدد المرضى طويلي الإقامة في المستشفيات العامة، لقيامه بخدمتهم في منازلهم بشكل دوري، كما أسهم في توفير الأسرة اللازمة لمرضى آخرين بحاجة لها، إلا أن بعض الحالات التي يتم تقييمها من قبل المستشفى تبقى لفترات طويلة، رغم عدم أولويتها في توفر أسرة المستشفى.
وبين أن مشكلة المرضى طويلي الإقامة في مستشفيات الشرقية مقاربة لنسب بقائهم في مستشفيات المناطق الأخرى.

9 حالات

«مكة» تفقدت عددا من المرضى بأحد مستشفيات المنطقة الشرقية، رفض ذووهم تسلمهم، ولم يجدوا من يتواصل معهم سوى الأخصائية الاجتماعية في المستشفى التي فضلت عدم ذكر اسمها، وقالت: إنهم أصبحوا جزءا من حياتي اليومية.
وتقدر الأخصائية عدد المرضى الذين تجاوزت مدة إقامتهم في المستشفى عاما كاملا بنحو تسع حالات، بينهم طفل يبلغ من العمر 10 سنوات، مشيرة إلى أن أغلب تلك الحالات هي من كبار السن المقعدين.

أقدم المنسيين

الخمسينية (ن.ع.) تعد أطول المرضى بقاء في المستشفى، حيث أدخلت المستشفى لعدم قدرتها على المشي بسبب إصابتها بهشاشة العظام، إلا أن فترة علاجها التي قرر لها الأطباء أن تكون أسبوعين استمرت لثلاثة أعوام.
عن هذه الحالة، قالت الأخصائية الاجتماعية: إنها من الحالات التي لا يستطيع أي مسؤول في المستشفى ألا يبدي تعاطفه مع وضعها، لكن بقاءها في المستشفى يشكل عبئا وخطرا على لياقتها النفسية وصحتها، حيث إنها تتمتع بقدرات عقلية ممتازة وروح مرحة، لكن حالتها الصحية ووضعها الاجتماعي جعلها من المرضى طويلي الإقامة في المستشفى.

غرفة معزولة

وأضافت: عاشت المسنة بين إخوانها بعد وفاة والدها ولم تتزوج، وبعد أن تزوج جميع إخوانها تقاسموا منزل والدها ولم يتركوا لها سوى غرفة معزولة، ولم يكن يزورها أحد منهم إلا مرة واحدة أسبوعيا، فكانت تمرض ولا تجد من يعتني بها، حتى تضاعفت حالتها من هشاشة العظام إلى عدم القدرة على الحركة، وبعد انتقالها إلى المستشفى أصبحت بحاجة لعناية دائمة في المنزل، إلا أن أسرتها لم تستطع توفير ذلك لها، ومرت بانتكاسات في كل مرة تخرج من المستشفى إلى أن بقيت في المستشفى في انتظار معاملة تحويلها لدار الرعاية.
وقالت: إن المؤلم في الأمر هو الانتظار الصعب للمريض داخل المستشفى وشعوره بالتجاهل وعدم القيمة، وهي من أصعب المشكلات التي يعاني منها المرضى المسنون الذين يرفض ذووهم استلامهم، خاصة ممن في كامل وعيهم، فيكون وجودهم في المستشفى أشبه بعزلتهم عن العالم الخارجي.

تأخر الأسرة

مريضة أخرى تبلغ من العمر 70 عاما، ترافقها خادمتها في المستشفى، أمضت بالمستشفى عاما ونصف العام بسبب عدم توفر سرير طبي لها في منزلها، وتقول الأخصائية: إن المحاولات ما زالت قائمة مع أولادها لتوفير السرير لها من قبلهم، بعد أن ساءت حالتها النفسية بسبب بقائها في المستشفى وانتظار ذويها توفر سرير طبي يصرف لها من قبل الوزارة، مشيرة إلى وجود عدد كبير من الحالات تنتظر الأسرة الطبية ليتم رعايتهم في المنزل من خلال فريق طبي يقوم بزيارتهم.