دعوها وشأنها، اسمحوا لها بمد النظر عبر فتحات نقابها المطرز بخيوط العناء، لتساعد نفسها في قطع الطريق على خروج آهاتها المتراكمة، وقبل تشريح هيئة عيونها على طاولة النبش في النوايا، ووضعها في خانة بواعث الفتنة، تأملوا الأهداب المكتسية بذرات الغبار، تأملوا الدموع المحبوسة في عينيها، فهي أكبر فتنة وأعظم درسا وأبلغ رسالة.
المواجع تستعمر المحاجر، ومصادر الفتنة المزعومة انقلبت إلى قوة لتحريك الضمائر، إن كان ثمة ضمائر حية أو شبه حية أو حتى على فراش الموت.
دعوا نظراتها تحرس رأس مالها التجاري، الذي لا يتجاوز ثمن حقيبة سفر شاب طائش، لا يراعي فارق التوقيت، وقد عقد العزم لملء عينيه بالمناظر غير المنقبة هناك.
رأس المال الذي ربما لا يتجاوز نصف راتب خادمة أو سائق خاص تحت كفالة موظف بلا ضمير.
إنها معذورة في إطلاق حرية الأهداب المحملة بغبار الكفاح الشريف، للتحرك عبر دائرتين في نقابها، فلعلها ترصد حركة تجارتها البسيطة وتَجرُد رأس مالها وقت اللزوم، وما أكثر لحظات الجرد وما أصعبها عليها في حالة الركود.
التمسوا لها العذر، فقد رغبت مزيدا من الحرية لسبر اتجاه الرياح، والتفريق بين أنواع الأوراق النقدية، فلربما تخسر كل شيء في لحظة عابرة تحت ثقل غشاوة أبصار تختلط فيها وسوم الفئات النقدية.
غادروا المكان، اسمحوا لها أن تستدير بالنظر حولها لتظفر بفرصة بيع شيء من بضاعتها المباحة، وتتكسب بالحلال من يد منقبة أو غير منقبة من ذات الجنس المختلف على حقوقه ودوره في الحياة، إلى حد اختلطت معه الأوراق وكثر معه الضجيج المغلظ بالمزايدة، ذلك الجنس الذي اشتغل المجتمع الذكوري على شؤونه بالنيابة القسرية، وأصبح يجرها ذات اليمين وذات الشمال، ولكل امرئ ما نوى في الختام، والضحية واحدة.
أوقفوا رصدها بعيونكم، احجبوا عنها فرصة استدعاء فضول التجمهر حول معرضها التجاري «البسطة» المنزوية على الرصيف، فالأحزان أصلا متجمهرة في شكل أبراج بين ضلوعها، وهي إن لم تخط التقديرات، رغم اختفاء معالم وجهها خلف النقاب، لا تحتمل مزيدا من الضغط ولا يليق بها الانكسار.
امنحوها الفرصة تتأمل حركة الأطفال مع أمهاتهم في مهمة تسوق فقدت هي لذتها من زمن بعيد، لانشغالها بتدبُر غذاء أبنائها ومحاولة تسديد احتياجاتهم من الكسوة بما فيها النقاب.
دعوها تستعيد شريط ذكريات مروءة الرجال وشهامتهم في وقت مضى، وتعرج بنظراتها على أطلال ذكريات الزمن الجميل، الذي لم يتبع نظرية المؤامرة على العفة.
وختاما، اطمئنوا، نقابها يبتسم من كثرة الآلام، وكحلها بقايا ألوان مشقّة وتعب، وهنا لا وجود ولا معنى للفتنة.
وبالقراء الكرام يتجدد اللقاء.