إذا كانت أيادي المملكة العربية السعودية البيضاء لها الأثر البالغ في دفع عجلة التنمية في العديد من بلدان العالم المحتاجة، لا سيما البلاد الإسلامية، فقد ظلت موريتانيا، هذا البلد العربي المسلم، محط عناية وتركيز خاصين من طرف المملكة، التي تركت مشروعاتها في البلاد بصمات واضحة في كل مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية، ومنذ فجر الاستقلال وإلى اليوم، فحيثما عرجنا نلاقي منشأة أو بنية أو برنامجا أنجز بفضل تمويل سعودي، إما بشكل مباشر من خلال الصندوق السعودي للتنمية وغيره من آليات التمويل الثنائي، أو غير مباشر بواسطة الصناديق والهيئات الإسلامية والعربية والدولية، التي لحكومة خادم الحرمين الشريفين الرأي السديد في اتخاذ قراراتها بشأن تقديم الهبات والمنح والقروض الميسرة، وقائمة تدخلات هذا البلد في موريتانيا تطول، فقد عاصرت عهود الاستقلال الأولى وما زالت تغدق وإلى اليوم بسخاء كامل، مع العلم أن المملكة العربية السعودية، ليست من جهات التمويل، تلك التي تربط دعمها أو تشرطه أو تقايضه بمواقف معينة.
واليوم تضاف إلى هذه القائمة الطويلة معلمة، بل جوهرة جديدة، ألا وهي تمويل استصلاح الجزء الشرقي من بحيرة الركيز، هذا المشروع الذي يحكي إنجازه نهاية قصة معاناة عشرات الآلاف من الرجال والنساء، الذين كانوا في غابر الأزمان يعيشون في جنات من زرع وضرع تؤتي أكلها ولم تظلم منه شيئا، قبل أن تتآمر عليهم عاتيات الزمن، من جفاف وتغير مناخ، وسياسات خاطئة، فيصبح ماء البحيرة غورا، ولم تستطع الساكنة له طلبا، فيتحول يسرهم عسرا ورخاؤهم فاقة، فينزحون عن المواطن الأصلية إلى المدن خوفا من المجاعة، ويمتهنون حرفا ما ألفوها، وتتراجع بهذا السبب معدلات الأمن الغذائي، في المنطقة والبلد بأسره، فالبحيرة ظلت ولفترات طويلة الممون الرئيس لعديد من مناطق البلاد بالحبوب، وتلتفت الحكومات الموريتانية المتعاقبة، يمينا ويسارا وتطرق أبواب كل جهات التمويل سعيا لوضع حد لمأساة هؤلاء السكان الذين تمتزج في قضيتهم أبعاد متعددة، اقتصادية، واجتماعية، وسياسية، وحتى حضارية ووجدانية.
فبحيرة الركيز شكلت مع الزمن ليس نمطا حياتيا وأنموذجا للإنتاج كاد أن يؤول للاندثار فحسب، بل أكثر من ذلك، إذ سطرت في حوضها الساكب صفحات مشرقة من أمجاد وحضارة وثقافة هذا البلد نقشت بماء السيول المنهمرة، ولم يجد هذا التجدي شيئا، ففي كل مرة إما لا يبدي هذا الممول أو ذاك أي مستوى من التجاوب، أو في أحسن الحالات يعد ويطلب دراسات ينفق فيها الكثير من المال ويمضي فيها الكثير من الوقت وتكون النتيجة في النهاية خفي حنين.
وفي البداية كانت هذه التحركات تبعث بعض الأمل في نفوس السكان قبل أن يكتشفوا أنها مواعد عرقوب، وكأنها كالأفق بالنسبة للمسافر كلما اقترب منه وتوهم أنه سيصله فإذا به يزداد بعدا. 
ويستمر الحال على هذا النحو ويصبح اليأس من إمكانية الحصول على تمويل استصلاح البحيرة هو سيد الموقف والانطباع السائد لدى هؤلاء السكان المغلوبين على أمرهم الذين بلغت قلوبهم الحناجر ولم يعودوا يصدقون أي وعد من أي كان.
وفجأة يظهر الأمل من هناك! من ناحية بلاد الحرمين، وهي حقيقة بلاد أمل كل أهل الحاجات دقت أو جلت، أمس واليوم وغدا، هذه البلاد التي أحببناها بحمد الله وارتبطنا بها وتوطنتها قلوبنا وسعت إليها قوالبنا، من هذه البلاد جاء رجل يحمل معه بشرى تحقيق الحلم الميؤوس منه! إنه رئيس الصندوق السعودي للتنمية الذي جاء وقد أعد العدة لتوقيع اتفاق تمويل المشروع بمبلغ 34 مليون دولار، ولم يتطلب ذلك مزيدا من الوقت ولا الدراسات، فلخادم الحرمين الشريفين والمملكة العربية السعودية جمعاء ولهذا الرجل كل آيات العرفان بالجميل، والشكر موصول كذلك لقيادتنا الوطنية ممثلة في فخامة الرئيس محمد ولد عبدالعزيز الذي أولى هذا الموضوع كل الاهتمام ووجه بذلك وزيريه للاقتصاد والتنمية والزراعة الفاضلين سيدي ولد التاه وإبراهيم ولد مبارك ولد محمد المختار، وكانت جهودهما مقدرة، وكان هذا كله ثمرة مثابرة واجتهاد عميدنا سيدي أحمد بدي ولد بدي ولد محمود حفظه الله الذي لم يركن للظروف الصحية ولا للاهتمامات الشخصية، فطرق كل الأبواب وحضر كل المناسبات ووقف كل المواقف من أجل أن تينع ثمار البحيرة التي كان يحمل همها في دمه، فتحية إجلال وتقدير له في هذا اليوم المشهود، وقد آن لساكنة الركيز أن يتنفسوا الصعداء، وهنيئا لهم بالعودة القريبة إلى أوكار وأطلال الآباء والآجداد، بعد أن طال تشتت الوصال.