أنا لا أتكلم عن مدينة عادية مهما كان وضعها ومركزها ومكانتها في العالم، إنني أتكلم عن مكة المكرمة، أتعرفون ماذا تعني مكة المكرمة؟ طبعاً تعرفون... إن لمكة مكانة في قلوب المكيين بصفة خاصة، وللمسلمين في العالم بصفة عامة، مدينة تخفق لها القلوب، وتشرئب لها النفوس، وتنبض لها الأفئدة... مدينة حظيت حتى بتقدير غير المسلمين على وجه المعمورة... إن لها تقديرا واحتراما لا مثيل لهما... إنها المدينة الوحيدة على وجه الأرض التي إذا (هَمَّ) شخص ما أن يؤذي فيها أحداً فإن الله توعده بوعيد شديد (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم)، والإرادة في الآية الكريمة تعني الهَمَّ أي مجرد التفكير أو النية... فمن هم بإيذاء شخص أو حتى حيوان في مكة فإن مصيره عذاب أليم شديد، بل إن شَتْم الخادم في مكة ظلم، واحتكار التجارة فيها ظلم، وكل أنواع التعامل غير الإنساني بمكة ظلم، وكل أشكال هذه التعاملات الظالمة مصيرها العذاب والعياذ بالله... لماذا؟ لأنها مكة التي اصطفاها الله من سائر بقاع المعمورة لتكون موقع بيته الذي هو أول بيت وضع للناس.
أخي القارئ إنها مكة... المدينة الوحيدة في العالم التي تتضاعف فيها الأجور إلى مئة ألف ضعف، والله يضاعف لمن يشاء... كما أنها مهوى الأفئدة وقبلة المسلمين ومولد الرسول صلى الله عليه وسلم ومكان الحج، تحتضن المشاعر المقدسة، فيها عبادات لا توجد في غيرها، مثل تقبيل الحجر الأسود والطواف والسعي بين الصفا والمروة والوقوف بعرفات ورمي الجمرات، والصلاة خلف مقام إبراهيم، وتضم من الآثار والأماكن التاريخية والإسلامية ما ليس في غيرها، ففيها مولده صلى الله عليه وسلم، وبها الكعبة المشرفة ومقام إبراهيم، والحَجَر الذي اعتلاه سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام وبيت السيدة أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، وغار حراء وغار ثور وبئر زمزم وجبل عرفات وبئر طوى ومسجد الراية وجبل قبيس ومسجد الجن ومقبرة المعلاة، وغيرها، إنها مكة يا سادة! أحب البقاع إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم.
فإذا كانت هذه مكة وهذه مكانتها في اختصار شديد، فلماذا نعاملها هذه المعاملة المجحفة، يا سادة إن مكة أخذت تصرخ من ضغوط قذارة شوارعها والغبار المتطاير في أجوائها، وتعثر المواصلات واختناقات المرور وكثرة الصبات الاسمنتية التي تعوق حركة الناس والمركبات! مكة لم تجد في أمانة العاصمة من يمد يده لينقذها من هذه المشكلات التي أخذت تتراكم، وأخذ يتأذى منها الشعور الفردي والجمعي، من يزور مكة، يجدها غير مكة التي ألفناها وعرفناها! منظرها لا يسر يبعث للأسف! فقد تردت النظافة فيها إلى درجة غير طبيعية! وعندما يسأل أمين العاصمة، يجيب إنها مرحلة إحلال! فهل مرحلة الإحلال تمتد إلى سنوات، يعيش فيها أهل مكة هذه الحالة المتردية من النظافة؟ أين المليارات التي تصرفها الدولة على النظافة؟ ولماذا لا يحاسب المسؤولون عن تقصيرهم في هذا الشأن؟ لماذا هذه اللامبالاة؟ لماذا تظل أكوام القمامة في الشوارع يسرح الذباب والحشرات فوقها وفيها وحولها، ثم ينتشر في أجواء مكة يضرب الأنوف والأعين والأطفال والكبار والصغار؟ يا سادة لقد تحولت أجواء مكة إلى أجواء ذبابية!
وهناك تساؤلات أخرى ومنها: لماذا شبكات المياه لم تكتمل ولماذا شبكة الصرف الصحي لم تعمل في معظم أحياء العاصمة المقدسة؟ ولماذا أصبح المرور مختنقا طوال الوقت، ولماذا مستشفياتها أضحت مكتظة، ولماذا يقف المرضى والمراجعون طوابير انتظار طويلة مضنية مملة؟ ولماذا ناديها الوحيد متعثر؟ ولماذا تملأ شوارعها الحفر والمطبات؟ ولماذا السفلتات الجديدة سيئة؟ ولماذا ولماذا ولماذا...؟ أسئلة كثيرة تحتاج إلى إجابات.
إنني أطلب من المسؤولين في الدولة أن يتخذوا موقفا حازما من تصرفات المقصرين ومعاقبتهم، خاصة أولئك الذين لم يفلحوا وأهملوا كثيرا في إدارتهم. يا سادة إنها مكة إنها مكة إنها مكة...

