الحديث عن الفساد وترتيب المملكة في مؤشر مدركات الفساد الذي تصدره منظمة الشفافية العالمية، وحصولها على 49 نقطة من أصل 100، جعلها تأتي المركز 55 في مؤشر الفساد العالمي في 2014، لا يمكن أن يكون مقنعاً ومرضياً للحكومة أو الشعب في بلد يتغنى بامتثال القيم الإسلامية.
لا سيما أن منظمة الشفافية العالمية المعنية بإصدار هذا التصنيف تشير إلى أن سوء الدرجة دليل على انتشار الرشوة على نطاق واسع، وعدم تطبيق عقوبة للفساد، إضافة إلى كثرة المؤسسات التي لا تستجيب لاحتياجات المواطنين، وكل هذه العناصر تتناقض مع تعاليم الدين الإسلامي، وتقدم السعودية في مؤشر مدركات الفساد 8 مراكز عن تصنيفها في العام الماضي يشير إلى أن هناك حراكا حكوميا لمحاربته، رغم ضعف وبطء هذا الحراك الذي تقوده الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد «نزاهة»، مما يجعل الطريق لتحسين تصنيف المملكة طويلا وشاقا.
وصور الفساد المالي والإداري لا يمكن حصرها في تأخير وتعطل المشاريع الإنشائية، اللذين حاولت «نزاهة» التركيز عليهما، بل تمتد لتشمل الواسطة والمحسوبية، والاستثناءات، والتي عطلت كثيراً من الأنظمة، وقللت من قيمتها، وحالت دون تطبيق كثير من العقوبات على الفاسدين والمفسدين، وأسهمت بشكل مباشر في وصول أشخاص إلى مناصب قيادية أو مراكز وظيفية لا يملكون الكفاءات والمهارات اللازمة التي يحتاجها هذا المركز أو المنصب.
والواسطة إحدى ظواهر الفساد الإداري والمالي التي لا يمكن الحديث عن الفساد دون التطرق إليها، كونها تقود بشكل مباشر أو غير مباشر إلى ظواهر باقي أنماط الفساد الإداري والمالي. وهي ظاهرة اجتماعية توجد في معظم المجتمعات، يقابلها على سبيل المثال (anxiGu) في الصين، (Nepotism) في المجتمعات الغربية، (Jetitinho) في البرازيل، (Svyazi) في روسيا، ونشأت الواسطة في المجتمعات العربية قديما مع بدء الاتصال مع الحكام أو من يملك السلطة أو المال لتأمين متطلبات المعيشة، وتحسين حياتهم الاجتماعية، وأوضاعهم الاقتصادية، وانتشرت حتى أصبحت ظاهرة سلبية ذات تأثير سلبي على المجتمع والتنمية.
وتقود الواسطة في ممارساتها وصورها الحالية إلى اختراق هيبة الأنظمة واحترامها، وتشرعن صور الفساد الإداري بطريقة غير مباشرة، كونها تقود الرشوة في بعض الحالات عندما لا يستطيع الشخص الحصول على حقوقه المشروعة إلا من خلالها نتيجة استغلال النفوذ الذي يمارسه بعض المسؤولين وأصحاب القرار، ويتجاوز تأثيرها تقويض أساسيات التنافس الشريف في الفرص الوظيفية والمشاريع الحكومية وغير الحكومية، إلى تعطيل الاقتصاد والتنمية، لا سيما أن تقرير الأمم المتحدة (2012) يشير إلى انتشار الواسطة والمحسوبية وضعف البيئة التنظيمية والتشريعية وفقدان المنافسة العادلة في الدول العربية بما فيها السعودية أسهمت في انخفاض معدل النمو الاقتصادي.
ولكي تعرف مدى انتشار الواسطة سواء في القطاع العام أو الخاص وتغللها بشكل فج وقبيح، كل ما عليك فعله هو أن تذهب إلى معظم الجهات أو الشركات الحكومية وبعض شركات القطاع الخاص في قسميها الرجالي والنسائي، وتستعرض أسماء الموظفين والموظفات لتجد أن معظم هذه الجهات تسيطر عليها عوائل معينة، مما يؤكد وجود تجاوزات واستثناءات قتلت التنافس الشريف، قد تؤدي في حال استمر الوضع كما هو عليه إلى هجرة العقول والكفاءات، متمنيا ألا نصل إلى هذه المرحلة، كون هذه التكتلات الإدارية التي جاءت عن طريق الواسطة ستظل تمارس «حروبا سرية» ضد توظيف الكفاءات والأشخاص المؤهلين كي لا ينفضح وينكشف أمرها.
وتتجاوز الواسطة قضايا التوظيف إلى مشاريع التنمية والمناقصات الحكومية وغير الحكومية، وتقود إلى إرساء مشاريع على شركات لا تتناسب إمكانياتها مع حجم هذه المشاريع، أو تصنيفها أقل من التصنيف المطلوب لتنفيذ هذه المشروع، ونتيجة للواسطة أو الاستثناء أو التعميد المباشر أو استخدام الرشوة تعثرت كثير من المشاريع أو جاء تنفيذها دون المستوى المطلوب، وانتشار الواسطة قد يقود إلى ظهور وشيوع الرشوة بشكل مباشر وغير مباشر.
أعترف يقيناً أن الواسطة قد تمرض وتضعف، ولكنها لن تموت، ما لم ينصهر المجتمع في ثقافة واحدة تتجاوز كل المصالح والاعتبارات الشخصية والاجتماعية إلى ثقافة تتبنى المصلحة العامة، و تركز على مصلحة الوطن، إلى جانب فرض عقوبات رادعة على الأنماط المسيئة والمؤدية إلى الفساد الإداري كاستغلال السلطة وغيرها، والتشهير والنشر بقضايا الفساد الإداري والمالي كونهما من أكثر الأساليب التي أثبتت نجاحها في مكافحة الفساد الإداري عالمياً.

