ربما كان غريبا أن نتخيل مفتيا يهوى الأدب والشعر ويشجع الأدباء والشعراء، وقد لا نتصور شيخا إلا وكان له رأي سيئ في ما يخوض فيه الأدباء والمثقفون، ولا لوم علينا إن اعتقدنا ذلك، وصورة الشيخ في أذهاننا بالغة الرزانة والانقباض، فتوهمنا أن التقاء عالم الدين والأديب والمثقف غير مألوف ولا معهود، مع أن ألمع نقادنا العرب، وهو القاضي الجرجاني، كان قاضيا أديبا ناقدا، قبل أن يطغى الخلاف ويشتد بين عالم الدين وألوان التعبير الإنساني.
في بداءة العصر الحديث كان الأستاذ الإمام محمد عبده مفتيا للديار المصرية، وكان في الوقت نفسه من طليعة المؤسسين للدرس الأدبي والنقدي والبلاغي، بل للعلوم الإنسانية في الثقافة العربية الحديثة، وبينما كابد المفتي من أجل تطوير الأزهر، عمل بدأب على النهوض بالنثر الحديث واللغة العربية الحديثة، وقرأنا على يديه أسلوبا جديدا مباينا للأساليب الأدبية في عصره، وحين عقد العزم على تحديث الأزهر أخذ على نفسه تدريس كتابَيْ عبدالقاهر «دلائل الإعجاز» و»أسرار البلاغة»، بعد قرون لم يعرف فيها العلماء ولا الطلاب إلا شروح التلخيص، فغاض ماء البلاغة وتخلفت عن روح الأدب.
لم يكن تقرير كتابَيْ عبدالقاهر في الأزهر بالعمل الهين اليسير، وأكاد أحسبه البداءة الأولى لتجديد البلاغة والدرس الأدبي في العصر الحديث، وربما كان نشر الأستاذ الإمام كتاب «دلائل الإعجاز» إيذانا بميلاد النقد العربي الحديث، الذي اقترن بإنشاء الجمعيات الأدبية التي نشرت الكتب الأصول في تراثنا، وكل ذلك كان لمفتي الديار المصرية سهم فيه، ونستطيع أن نرد إليه كل ألوان التجديد مهما اختلفت أو تناقضت، سواء منها ما كان الأزهر بيئته أو الجامعة المصرية، فجهود طه حسين ومن أخذ بمذهبه، ومصطفى المراغي ومن سار في ركابه، وأمين الخولي وجماعة الأمناء، ومحمود شاكر ومن اقتفى أثره، إحدى هبات مفتي الديار المصرية الأستاذ الإمام محمد عبده، ويكفي لبيان أثره في الشعر عنايته بالشاعر حافظ إبراهيم وتثقيفه وإعداده، حتى ليصدق فيه قول الرافعي: «فحافظ إحدى حسنات الشيخ على العالم العربي»، و»لولا أن هذا هذا، لما كان ذلك ذلك».