يتقن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لعبة الجودو – بالإضافة إلى الكاراتيه والتايكواندو- لدرجة عالية. ومن جهة ثانية، تعده الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، قيصر روسيا الجديد. أحد الدبلوماسيين الأمريكيين قال إن بوتين بطل في الجودو، «وأبطال الجودو معروفون بقدرتهم على الوقوف على السجادة لمدة ساعة، بانتظار فرصة لمدة ثانية واحدة». دعونا نرى مدى صحة هذه الاستعارة اللغوية.
كلاعب جودو في الجغرافيا السياسية، لم يكتف الرئيس بوتين بالوقوف على السجادة. فقد سجل ضد الغرب نقطة من خلال ضم منطقة شبه جزيرة القرم إلى روسيا. وهو يقوم بكثير من أساليب الخداع حول أوكرانيا، لكنه لا يحاول إيقاع الخصم أرضا للفوز بالمباراة. فهو لم يتوغل عميقا في أوكرانيا، ولم يتقدم باتجاه دول البلطيق: لاتفيا وليتوانيا وأستونيا. لعب الجودو على الأرض أمر متعب للغاية، وبوتين، المثقل باقتصاد روسيا الحرج، لا يمتلك القدرة على ذلك. في واقع الأمر، أعتقد أن بوتين ليس في المقدمة من هذه الناحية. الأثر الإجمالي للعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة وحلفاؤها على روسيا جعلتها تسجل نقطة في المباراة ضده. جولة أخرى من العقوبات، بما في ذلك منع روسيا من استخدام جمعية الاتصالات المالية بين البنوك الدولية (سويفت)، وهبوط أسعار النفط بشكل متسارع وتآكل احتياطي روسيا من العملات الأجنبية بسبب الديون، ستجعل للغرب نقطة أخرى ضد روسيا وقد يحطم ذلك الاقتصاد الروسي.
لكن هذا سيكون نصرا فارغا سيدفع الاقتصاد الغربي ثمنه باهظا. وهنا تختلف صراعات الجغرافيا السياسية عن لعبة الجودو التنافسية: ليس هناك فائزون واضحون. إما أن يفوز الجميع إلى درجة ما أو يخسر الجميع شيئا ما. والطريق الوحيد نحو موقف يجعل الجميع رابحين هو الدبلوماسية.
ومن الصعب التعامل مع بوتين في الحقل الدبلوماسي. في نهاية المطاف، هو مثل أي شخص تقوده المخاوف والأحزان. لقد كان ضابطا استخبارات في الـ(KGB) أيام الاتحاد السوفييتي عندما سقط جدار برلين. وهو بالتأكيد لا يزال يحتفظ بذكريات مرة حول فشل جورباتشوف الذي بدا كـ»متسول» أمام الغرب حول قضية الوحدة الألمانية وتوسيع حلف الناتو.
إن العالم كله يراقب مدى حكمة الغرب في التعامل مع بوتين الآن. ومدى عقلانية بوتين في التعامل مع الغرب ومع مشاكله الكثيرة.
من الأفضل لبوتين أن يتخلى عن ذكريات آلامه القديمة ويبتعد عن المغامرة. أعتقد أن الولايات المتحدة وحلفاؤها سيرحبون بكل سبب منطقي لرفع العقوبات يمكن أن يقدمه الرئيس بوتين. العقوبات تؤذيهم أيضا وتوجد بعض المخاطر.
من الأفضل للطرفين إذن اتباع سبيل الدبلوماسية الجادة. مهما كانت الدبلوماسية قاسية، فإنها أفضل من لعبة الجودو التنافسية.

- أديب وكاتب مهتم في شؤون السياسة الخارجية (جاكرتا جلوب)