أتحدى أن تسير في شارع لمدة خمس دقائق دون أن ترى مخالفة مرورية على الأقل، في مؤشر خطير على اعتبار كسر قواعد المرور ثقافة عامة لدى الكثير من السائقين، وربما يُعزى هذا إلى قلة الوعي أو المستوى الثقافي لمرتكبي المخالفات، وهو منافٍ للواقع فالمجتمع ولله الحمد في أعلى درجات الوعي ويتمتع بثقافة عالية على المستوى الذوقي والسلوكي، والمخالف يعلم في قرارة نفسه أنه مخالف، لكنه ألِف المخالفة؛ لقضاء حوائجه في أسرع وقت ممكن.
القيادة الثعبانية علامة بارزة في شوارعنا، ووقوف سيارتين متجاورتين أو ثلاث أمام المتجر، والوقوف على خطوط المشاة، والوقوف في المسرب الأيمن للإشارة، الانشغال بالجوال، استخدام المنبه بشكل مفرط، وأفضلية الدوران، كل هذه وغيرها مخالفات مرورية ربما ليست خطيرة، لكنها تعكس صورة سوداوية عن تحضرنا والتزامنا بالنظام، ومقدار الفوضى التي تعج بها شوارعنا صباح مساء.
ذاك على مستوى الفوضى أما على مستوى الدمار، فإحصائيات الوفاة والإصابات وتلف المركبات والممتلكات العامة مرعبة، والمستشفيات تعاني من استنزاف قدراتها التشغيلية بنسبة تتجاوز30% من طاقاتها، حتى أصبح الإنسان في حاجة إلى كتابة وصيته قبل أن يسلك الطرق السريعة والطويلة، فأنت معرض للموت حتى لو كنت تسير وفق القواعد المرورية، وهنا أتذكر وفاة عزيزين يرحمهما الله، في الرياض والليث، التزما بأنظمة المرور لكن المتهور في الطريق الآخر اجتاز كل الحواجز بسرعته وقضى عليهما. ولا أنسى أكثر من 10 شبان أعرفهم شخصيا قضوا في حوادث مرورية خلال السنتين الماضيتين، وأعقبوا في أنفس ذويهم وأنفسنا غصصا لا تبرأ، وكم أسرة في الوطن ذاقت فواجع الحوادث.
نحن يا أعزائي نتفق أن الأمر جلل سواء على المستوى الحضاري، أم مستوى الأمن الوطني، ففقدان أرواح البشر بكل برود لا يمكن قبوله أو تبريره مطلقا، ويجب على الإدارة العامة للمرور ألا تخلي مسؤوليتها من الانفلات والفوضى المرورية المرعبة، فكل الحلول التي اتخذها المسؤولون لا توازي نصف الخسائر التي ينزفها المجتمع كل يوم، فنظام ساهر الآلي جزءٌ من الحل وليس كل الحل، ودوريات المرور السري جزء، والتوعية والحملات المرورية ربما «نمشيها» ونعدها جزءا، لكن كل هذه الأجزاء لا توازي نصف الجزء الغائب المهم جدا.
ما عليك أخي المواطن أو المسؤول إلا الدوران بسيارتك في مدينتك وإحصاء رجال المرور في الشوارع والميادين، لتدهشك قلة أعدادهم، التي تجبرهم أن يقصُروا جهودهم على تسهيل الحركة وفك الاختناقات المرورية، أو رفع بعض الحوادث التي لا ترفعها شركة نجم، وستكتشف مباشرة أن الجزء المهم الغائب هو «رجل المرور» ومن سيطبق النظام في غيابه؟
ثم أما بعد يا سعادة مدير المرور يؤسفني إخبارك أن جلّ جهودكم سدىً ما دام وجود رجالكم في الشوارع والطرقات بهذه القلة، وبهذا المستوى من التأهيل في التعامل مع المخالفين، فإن لم تزرعوا في حدس كل مخالف أن في كل 300م من الشارع الذي يسلكه رجل مرور نبيه حازم ينتظره ليعاقبه على مخالفته فلن يرتدع مدمنو المخالفات والفوضى؛ فمَن «أمِن العقوبة أساء الأدب»، ولن آخذك في جولة إلى دبي أو أوروبا، بل سأعطيك مثالا سعوديا، فهل تعلم أن سائقي المركبات داخل المدن العسكرية مهما كانت رتبهم يقفون في التقاطعات دون إشارة ضوئية، ولا يمكن أن يعبر التقاطع حتى يعبر الواصل قبله في الجهة المقابلة، في احترام لإشارة (قف) التي لا يلقي لها بالا خارج المدن العسكرية، ولا يمكن أن يقف في موقف خاطئ، ولا يتجاوز السرعة المحددة، فلماذا؟ أليسوا مواطنين؟
النظام موجود وصارم، لكن التطبيق غائب ما دام المطبقون قليلين، ونحن في أمس الحاجة إلى مضاعفة أعداد رجال المرور وتغطية كل الطرق، ثم بعد ذلك الاشتغال على الخطط والتنظيمات الأخرى المساندة، (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً).