كانت جدتي، رحمها الله، تجمعنا لتقص علينا أساطير الأولين، وكنا نسألها في كل مرة أن تعطينا لغزا لنتباهى بذكائنا، وفي كل مرة تعطينا نفس اللغز وفي كل مرة ندعي أننا نفكر قبل الإجابة حتى نبين أننا نجيب بسبب فطنتنا وليس لأن الإجابة معروفة سلفا وسبق أن قلناها في مئات المرات السابقة.
جدتي لم تكن تبين لنا أن هذا التذاكي هو أشد أنواع الغباء فتكا، ربما كانت تعتقد أن جمال الأطفال يكمن أحيانا في تصرفاتهم الغبية..
هذه المقدمة الطويلة تذكرتها وأنا أقرأ خبرا يقول إن وزارة الصحة تعتزم التحقيق مع لجنة تحقيق كانت قد أرسلت للتحقيق مع مسؤولين في صحة نجران قُدمت بحقهم شكاوى متعددة من موظفين ومواطنين، وأنها ـ أي وزارة الصحة ـ تعتزم إرسال لجنة أخرى بديلة عن اللجنة المتهمة والتي ستخضع للتحقيق أمام لجنة ثالثة.
وعدد اللجان التي تتشكل يوميا أكثر من أن يحصيها أنس ولا جان، ولن أستغرب لو أتى يوم تكتب فيه كلمة »لجنة« في محرك البحث قوقل فيرد عليك: »هل تقصد المملكة العربية السعودية ؟«.
ومن طرائف اللجان أن جهة ما كثرت فيها اللجان إلى درجة أنها أصبحت ظاهرة ومحل تندر وسخرية المنتمين لتلك الجهة، فأصدر المسؤول قرارا بتشكيل لجنة لدراسة ظاهرة كثرة اللجان ووضع الحلول المناسبة للحد منها..
ولعله من المناسب أن أقول إن لغز جدتي، رحمها الله، الذي كان يتكرر يوميا هو »أحاديكم من سلسلة في سلسلة في كل واد مرسلة« وكلمة أحاديكم كلمة تستخدم قبل الألغاز بمعنى »أسألكم«، وهذه فائدة أسأل الله ألا يحرمني أجر تعليمكم إياها..
أما الجواب فهو »النمل«. وماتت جدتي، رحمها الله، قبل أن تعرف أن الجواب تغير وأن السلسلة في السلسلة التي في كل واد مرسلة هي »اللجنة«!
أحاديكم من سلسلة في سلسلة..
عبدالله المزهر2 دقائق للقراءة

حجم الخط
