ألا يبدو غريبا، وفي ظل ما تبذله الدولة أن يتحدث أحد ما عن مشكلة في مسألة الابتعاث للدراسة في الخارج؟.
نعم يبدو هذا غريبا للوهلة الأولى، إذا ما اكتفينا فيها برصد أشكال الدعم اللا محدود التي تقدمها الدولة وولاة الأمر لتهيئة الظروف لأن يتأهل المبتعث وينضم عضوا مؤهلا في عملية النهضة التي تنتظر الوطن في كل المجالات، عضوا فاعلا ومؤثرا في مجال اختصاصه.
فعندما أصدر الملك قرار مكرمته الكريمة بزيادة مخصصات المبتعثين المالية، كان هذا تعبيرا بليغا عن مدى استشعاره ـ حفظه الله ـ لاحتياجات هذه الشريحة من أبنائه وهم يجاهدون في ساحة العلم والمعرفة بعيدا عن أرض الوطن، وحرصا منه أيده الله على تأمين كل ما من شأنه أن يحفظ كرامتهم، فهي من كرامة الوطن.
وبمبادرة غير مستغربة من ولي العهد الأمير سلمان بن عبدالعزيز وجه حفظه الله أثناء زيارته الأخيره لأستراليا بإلحاق جميع الدارسين على حسابهم الخاص ببرنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث.
هذا الاهتمام الفائق والرعاية والعناية بمتابعة كافة قضايا المبتعثين لا يقتصر على قيادتنا الرشيدة وإنما ينزل إلى قيادات وزارة التعليم العالي برحلاتهم المكوكية بين العواصم التي يوجد بها طلبة سعوديون، فيحمد لهم هذا الجهد إثر ما لمسوه من اهتمام قيادتنا الرشيدة أعزها الله بهذه الشريحة من المجاهدين في طلب العلم، ولا غرو في ذلك من دولة تراهن في بناء وطنها ومواطنيها على الإيمان والعلم والولاء.
كل ذلك حسن جدا ويؤدي إلى تحقيق ما نطمح إليه جميعا.
ولكن هل يكفي هذا وحده؟.
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا بشجاعة ووضوح، وأن نجيب عليه بصدق وشفافية.
ما من عاقل فيما أظن سيقول: نعم، يكفي أن نضخ الأموال للمبتعثين في الخارج، وأن نيسر لهم سبل الحياة والرفاهية بإقامة الأندية وتفريغ عقولهم للاجتهاد والدراسة والتحصيل، والنتيجة الحتمية والمضمونة بعدها أجيال من الخريجين المؤهلين والباحثين والعلماء ممن تنهض الدولة والمجتمع بهم، إضافة إلى الشرائح الأخرى من القوى الوطنية العاملة في مختلفة المجالات.
فالأموال وحدها مهما كثرت لن تضمن لنا تحقيق هذا الهدف ولكم في حصاد الوفرة الأولى عبرة يا أولي الألباب لعلكم تعقلون.
فالبعض يذهب إلى الخارج ليس حبا في العلم ولكن للوجاهة الاجتماعية والبعض عنده الرغبة ولكن تنقصه القدرة لعدم تأهله لهذه الخطوة أو النقلة على الأصح للاستفادة منها على الوجه المطلوب.
وبعضهم عنده القدرة والرغبة ولكن تنقصه الإرادة لتحقيق ما يرغب ونرغب كلنا فيه، وبين هؤلاء وأولئك من عندهم القدرة والرغبة والإرادة فينجحون في تحقيق الهدف من الابتعاث وعدا ما يصرف على هؤلاء من أموال وما يعلق عليهم من آمال فإن الباقي يعتبر إهدارا لهذه الإمكانات أحرى أن توجه إلى أماكن أخرى.
فقد علمتنا تجربة الوفرة الأولى أن العبرة بالجودة والنوع لا بالكم، ولا أظن أن بيننا من يريد تكرار سلبيات تلك التجربة ولكي نحقق الهدف المنشود والمأمول من عملية الابتعاث أن نركز في المقام الأول على مخرجاتها وإلى أي مدى هي مجدية وبأي قدر يمكن أن تسهم عمليا في حركة المجتمع ومن ثم الدولة في مجال تخصصاتها؟.
.
وللحديث بقية.