في الماضي كان بعض أصدقائي يواجهون صعوبة في إقناعي بأن بعض «الأساطير» التي يسمعونها حقيقة، فتارة أسمع عن ظهور الأفاعي في إحدى المقابر لأن الميت كان لا يصلي ومرة أسمع بقصة ممسوخة استهزأت بالدين ويتبين أنها مجرد عمل فني في أحد المعارض، وتارة أخرى أسمع عن مؤامرات وقصص ونظريات ومكائد الهدف منها جميعا إعطاء درس ديني أو أخلاقي، وكنت أتعجب ليس من تصديق البعض لهذه الخرافات إنما لعدم البحث والتحقق من المعلومة فاستسلم الناس لأخبار بدون مصدر ولآراء بدون تحقيق حتى أصبحنا كالحمير تحمل أسفارا!
ولم يتغير الأمر بل ازداد سوءا خصوصا مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وأصبح الناس ينقلون بدون تثبت وازدادت الخرافات بصورة أكبر. والمصيبة أن بعض كتاب المقالات في الصحف وشخصيات معروفة إعلامية أصبحت من ضمن الحمقى فنسمع بصفة يومية (انظر ما تم فعله هنا... وشاهد ماذا حصل هناك... وانظر نتيجة كذا... وهل تعلم أنه كذا) وحتى تتم المسرحية بإتقان يتم إرفاق صورة لخبر آخر لا علاقة له بالموضوع البتة!
كلنا نتذكر قبل فترة الصور التي انتشرت لمجموعة جثث مقطوعة الرأس والرؤوس بالجوار وعليها تعليق «انظر مجازر النظام السوري»! والصورة في الحقيقة هي لفعل إحدى العصابات في أمريكا الجنوبية، ولو أعمل ناشرو الصورة عقولهم لشاهدوا ملامح الموتى اللاتينية، والصور والأخبار من هذا القبيل كثيرة والحمقى كثر ولا حياة لمن تنادي! ولو حاورت بعضهم شفهيا أو كتبت تغريدة تستنكر هذه الخرافات والأكاذيب لتعجب منك الناس.
كطالب مبتعث هنا تأتيني أخبار من كل صوب، من أصدقائي في السعودية ومن أمريكا، وأرى تعليقات أصدقائي الأمريكيين في صفحات الفيس بوك لأخبار متنوعة، ولكن هناك فرق واضح في نقل الخبر، لا يضع الأمريكي خبرا في الصفحات إلا ويضع مصدره، وإن كانت مقولة شهيرة يذكر قائلها والأهم إذا كان الكلام ليس كلامه فيضع علامتي الاقتباس وهنا لا يريد منك تصديق ما يقول، وإنما يذكر لك المصدر وأنت حر في التصديق أو لا، نحن لا نضع مصادر لأخبارنا وللأسف هي كثيرة، فمرة نسمع عن دراسة صارت في مكان ما بدون ذكر المعهد الذي أجرى الدراسة ولا يوجد تاريخ ولا رابط فالدراسة وهمية ولكن الناس لا تهتم بالتحقق، المهم أن الدراسة ترضي غرورهم فنسمع عن دراسة في فرنسا ومرة في أستراليا ومرة في أمريكا وفي الأخير لا وجود لها! فما المانع لصاحب المقال الذي اطلع على الدراسة أن يذكر مصدرها؟
ثم أتعجب من الكُتّاب الذين يوردون دراسات فرنسية أو ألمانية وهم لا يفقهون فصيح العربية!
أصبح الأمر مملاً لدرجة أني صرت أحذف الرسالة قبل الاطلاع عليها لما كثرت هذه الأخبار، كنت في البداية أتحقق بالدخول للانترنت وأبحث عن المعلومة وأرد مباشرة لمن أرسل لي فبعضهم يحاورني بشكل إيجابي والآخرون وهم كثر، يقولون «يا شيخ أنت تدقق! «فعندهم إما أن أكون حمارا وأنقل بدون تثبت أو أبحث عن صحة المعلومة كأي شخص عاقل!
إنني أرفض أن أكون حمارا!
والعجيب أن بعض الأخبار لا يمكن التسليم بها منطقيا ولا تحتاج حتى البحث عن صحتها لأنها لا يمكن تطبيقها على أرض الواقع ولكنها تنتشر بسرعة البرق!
من الطرائف التي مرت علي، أن أحد الأصدقاء الأعزاء أرسل لي رسالة انتشرت بين أوساط الناس لمقولة منسوبة لهتلر يتنبأ بها بأحداث مستقبلية وفق تصوره، وطلب مني البحث عنها إن كانت صحيحة، العجيب أن المقولة بالعربية وليس لدي لغة ألمانية حتى أبحث، فبحثت باللغة الإنجليزية ولم أجد شيئا ثم بحثت في مواقع تختص بالمقولات الشهيرة لمشاهير ولم أجد شيئا وقمت بترجمة النص في مواقع الترجمة للألمانية ولم أجد شيئا فأخبرت صديقي أنه لا يوجد مصدر لهذا الكلام، فقال: إنه أخبر أصدقاءه بذلك فردوا عليه «ما عندكم إثبات أنه ما قال هذا الكلام».
حينما تكثر هذه الأخبار وتنتشر رغم عدم صحتها يصبح الناس ليسوا فقط جهلة بل مستسلمين لأي تغيير! فكلمة ترفعهم عاليا وكلمة تنزلهم ولا يصبح لديهم قضية ولا مبدأ، ويصبح من السهل التلاعب بهم!

