قد تشكل دورة الحياة وتقلباتها بما فيها من فرص الغموض والتعقيدات مشروعا ناجحا لفهم الآخر، وقد يكون مفتاح باب الفهم مربوطا على معصم التحديات. في السياق تأتي الغربة أو البعد عن مجتمع النشأة حيث الأقارب والأصدقاء وزملاء المراحل الدراسية الأولى وتأخذ مكانها للإسهام في تقريب الصورة - تصنيف الأصدقاء مثلا، عبر مقياس مستوى التواصل ودرجات التفاعل مع المواقف لكنها لا تتوازي في النتائج مع ما يمكن استخلاصه بعد تحول البعد إلى قرب نتيجة انقلاب الغربة إلى عودة لمجتمع النشأة بما فيه من صلات وصداقات ولربما خصومات.
رأيي أن «العودة إلى مجتمع الإنسان ومسقط رأسه بعد طول غياب عملية لها أبعاد تتباين في النتائج بالنسبة للمعني بها وكيفما كانت النتائج في خلاصتها تظل هذه العملية أكبر مصدر للمفاجآت المحرضة على التأمل. باختصار يمكن لمرحلة العودة إلى المجتمع الأم أن تكون أيضا صادمة. ويبقى في رأيي أن هذه المرحلة تشكل أكثر مناطق الاستنتاج خصوبة للمهتمين بعلم الإنسان نفسيا واجتماعيا».
مما لا شك فيه أن لكل إنسان همومه وشجونه الخاصة والعامة ولا ريب والأمر كذلك أن يتخلل حياة كل منا مواقف وحالات تتفاوت في ثقلها وحدتها وحتى أدوات قياسها ومثل هذه الأمور تقع في عين اعتبار العقلاء كنافذة لالتماس العذر للآخر وكخطوة لتجاوز التدقيق في المسائل التي من شأنها أن تبرد العلاقات أو تغير في أصول التعاملات الإنسانية وبالذات في المحيط القريب.
وحتى لا تفقد الرسالة وجهتها وتشغل ساعي البريد، أقول لصديقي العزيز في القرية الصغيرة وقد تاهت خطاه وتجاوز علامات موقعة في الخريطة الاجتماعية والمعرفية، يا صديقي يصعب القبض عليك متلبسا بشيء يشفع لك كل هذا القفز المتواتر على كل شيء. بصراحة يا صديقي لم أعثر في دفتر حياتك حتى اللحظة على ما يمكن قبوله ولو بالحد الأدنى لتبرير هذا القفز ومعه خروجك في غير ثوبك وبلباس واسع لا يتفق مقاسه مع منزلتك التي كان لضيقها فضل عظيم على من حولك من الذين يشكل الفارق بينهم وبينك لا شيء سوى أنهم تزينوا بالعقل وطبقوا على منهج حياتهم ما يتناسب مع أوضاعهم حيث أخذوا بنظرية مدرسة (رحم الله.. عرف قدر نفسه) واستراحوا من عناء نفخ الذات، العملية التي أشغلتك بنفسك وانشغلت أنت بها للتعبير عن ذاتك الجديدة التي شكلها الوهم الذي دفعك إلى محاولة تمرير شخصك ضمن قاطرة الأحوال الشخصية المعدلة، القاطرة التي ستقف بك ذات يوم على مفترق الطرق وفي يدك حزمة كبيرة من التحديات والتعقيدات. ولأن دورة الزمن آنذاك قد تكون ثقيلة ولها صهيل ستغرق ومن معك تحت سقف المنزل في ليلة ماطرة وهنا أنصحك بتصفير العداد.
المحزن يا صديقي أنك ضحية التنمية التي تجاوزت عقلك إلى جيبك بشكل مفاجئ أصابك بالانفصام عن الواقع وأنت في الأصل مرتبك. الله لا يسامح التنمية التي تملأ الجيوب وتفرغ العقول.
صفر العداد يا صديقي هذه رسالتي لك
مانع اليامي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
