هناك كثير من النقاش والتوقعات حول «قرن منطقة المحيط الهادئ» ودور الصين كدولة مهيمنة تقود عملية الاندماج الاقتصادي الآسيوي وبناء شبكة آسيوية تربط بين جميع اقتصادات دول آسيا. الصفة المميزة لسياسة الصين الخارجية اليوم هي أنها تقرن كلماتها بالأفعال والالتزامات الحقيقية، مثل تأسيس بنك الاستثمار في البنية التحتية الآسيوية الذي يُتوقع أن يضخ أكثر من 50 مليار دولار في الاقتصادات الآسيوية التي ستنضم إلى حلم الصين في إعادة ربط القارة الآسيوية الواسعة، من شرقها حتى غربها. جاذبية عروض الصين في تقديم مساعدات في الاستثمار والتطوير واضحة وملموسة في الدول الصغيرة التي تقع على حدود الصين. لاوس، على سبيل المثال، التي يبلغ عدد سكانها 8 ملايين نسمة، لا يمكن أن ترفض الاستثمارات الصينية. وبالفعل يمكن منذ الآن رؤية مشاريع الاستثمار الضخمة على الحدود بين الصين ولاوس، مثل الطرق البرية السريعة والبلدات الجديدة.
ولكن ماذا عن القوة الاقتصادية الكبيرة والناشئة الأخرى في آسيا، وهي الهند؟ هل تستطيع الهند والصين أن تعملا معاً لبناء قارة آسيوية متواصلة أم إن الأجندات الوطنية ستهيمن على التفاهم بين البلدين؟ المحللون والمراقبون السياسيون في الهند بدؤوا بإطلاق تحذيرات بأن الهند يجب أن تغتنم الفرصة لتطرح رؤيتها حول مستقبل «القرن الآسيوي».
إن فشل الهند في اتخاذ دور الريادة في بعض أجزاء القارة الآسيوية، مثل جنوب شرق آسيا، يعتبر محيراً ومثيراً للارتباك بالنسبة للمراقبين. في نهاية المطاف، أقرب وأطول وأعمق إحساس بالتقارب الثقافي – فيما يخص اللغة، الثقافة، وتاريخ الحركة والاستيطان - هي مع جنوب شرق آسيا. ومع ذلك، منذ ستينات القرن العشرين، كانت علاقات الهند مع دول جنوب شرق آسيا رمزية وبطيئة إلى حد كبير، فيما كان تقارب الصين مع جنوب شرق آسيا مستمرا ومعتمدا على التزامات واستثمارات اقتصادية حقيقية.
في السنوات القادمة، قد نشهد تزايد حضور كل من الهند والصين في منطقة جنوب شرق آسيا، خاصة فيما بدأت الدولتان تعيان مدى أهمية سياسة إندونيسيا البحرية التي وضعها الرئيس الإندونيسي الجديد، جوكو ويدودو، والتي تقطع عمليا عدة مناطق بحرية عبر المياه الآسيوية: المحيط الهندي، المحيط الهادئ، بحر الصين الجنوبي، والمنطقة البحرية التابعة لإندونيسيا. الهند قد ترغب أيضا في أن تلعب دورها في تطوير هذه المناطق البحرية الهامة وقد تضطر لمحاكاة المقاربة الدبلوماسية الناعمة للصين من خلال الاستثمار في البنية التحتية التواصلية الجديدة التي ستربط بين جميع أنحاء قارة آسيا. هذا الوقت سيكون مثيرا للاهتمام بالفعل، حيث إن كلا من الهند والصين ستلعبان دورهما في إطار تطوير آسيا بشكل سريع – وفي هذا السباق المثير، يبدو أن الهند لم تعد تستطيع أن تبقى على مقاعد المتفرجين على ما يحدث من تطورات.