من متابعتي للشأن المغربي في الشأن الديني على الصعيد الرسمي، وعلى صعيد خطاب الحركة الإسلامية وموقفها من المخالفين لها فكريًّا، وعلى الصعيد الشعبي في المغرب؛ وذلك من خلال القراءة الموسعة عن ذلك، واللقاءات مع مثقفين مغاربة، والمشاركة في عدد من المؤتمرات هناك، والتجول في عموم المغرب من طنجة شمالا إلى مراكش جنوبًا لاحظت أن ثمة اختلافًا بين واقعه وواقع الشأن الديني في المشرق العربي؛ إذ يغلب على (الإسلام المغربي) قدرٌ كبير من التسامح مع المختلفين معه دينيًّا، وتفهمًا لهذا الاختلاف.
وتجد في الخطاب الحركي الإٍسلامي هناك اهتمامًا بتأصيل التعايش مع الاختلاف الديني، وقراءات دينية تقدميَّة لبعض الإشكالات التي يعاني منها الخطاب الديني المعاصر، وهذا ما انعكس على واقع الحركة هناك؛ إذ مدَّت الجسور مع التيارات الفكرية المختلفة، يقول أحمد الريسوني- أحد قادة الحركة هناك - عن الحركة الإسلامية في المغرب: «أهم ما يميزها هو اندفاعها للانفتاح على كل مكونات المجتمع، ومكونات البلد، وجميع القوى الفاعلة في المجتمع، للتفاعل وللتفاهم ما أمكن».
وقد تحقق هذا التفاعل بتحالف حكومة الإسلاميين القائمة اليوم في المغرب مع أحزاب علمانية، واشتراكية كانت تتبنى الشيوعية كحزب (التقدم والاشتراكية اليساري) وهو الحزب الشيوعي المغربي سابقا، وقد نشر معهد جيتستون البحثي الأمريكي تقريرًا مطولًا، أكد فيه أن المغرب يشكل نموذجًا إسلاميًا مثاليًا، بما يضمه من تنوع عرقي، وسمَّى المغرب بأرض التسامح، وذكر أن لدى المغاربة الطابع المميز الخاص بتقبل الآخر، بغض النظر عن مدى تعقد اختلافه معه، أو مدى غرابة أفكار أو توجهات هذا الآخر.
وقد طفِقتُ أبحث عن سبب ذلك فوجدت أن ثمة باحثين سبقوني في ملاحظة ذلك؛ فأول من أطلق مصطلح (الإسلام المغربي) - حسب كتاب سسيلوجيا الإسلام المغربي - هو إدوارد مونتي في ثلاثينات القرن العشرين، ويرى المؤرخ الأمريكي إدموند بورك أن المصطلح متعارف عليه لدى المغاربة منذ قرون؛ فهو يرى أن المغرب يُـعَدَّ البلد الوحيد تقريباً الذي يتخذ شكل الإسلام فيه اسماً محدداً يطلق عليه (الإسلام المغربي)، فما سبب هذه الخصوصية؟.
يعزو الدكتور سعد الدين إبراهيم الاختلاف بين المشرق العربي والمغرب في تقبل الاختلاف إلى خلو المغرب من الأقليات غير المسلمة مما ساعد على نشوء فكر غير صدامي، لكن ربما يقال العكس؛ إذ إن وجود اختلاف ديني يسهم في تَـفهُّم الآخر، وتربية الناس على وجود تعددية، وأرى أن السبب في هذا يكمن في أمرين؛ الأمر الأول: طبيعة النظام الحاكم في المغرب؛ فقد حافظ على وجود شرعية للدين في نظام الدولة، ونص الدستور على أن «الملك أمير المؤمنين والممثل الأسمى للأمة، وهو حامي حمى الدين»، وبذا أصبح تدبير الشأن الديني ذا رمزية كبيرة بإلحاقه برأس الدولة، وجعل شأن التدبير الديني في الفضاء العام يحظى باهتمام الدولة، وهذا ما جعل للقوى الدينية التقليدية ممثلة بأئمة المساجد والمفتين والدعاة الرسميين حضورًا كبيرًا في الفضاء الشعبي، وكل هذا ساهم بإيصال رسالة لعامة الشعب أن الدولة حامية للدين، ودفع هذا الاعتقاد من عامة الشعب الحركات الإسلامية إلى تبني خطاب أكثر تسامحًا مع النظام الحاكم؛ ولم تستطع أن تطرح نفسها بديلا عن الدولة كما حصل في دول المشرق العربي، وحسب جيرتز - في كتابه (الإسلام ملاحظًا) - هذا ما يفسر نجاح الدولة عبر السياسات الحكومية المتوالية للحد من خطورة الحركات الإسلامية التي بقي تأثيرها حبيس الجامعات وبعض المناطق الهامشية.
الأمر الثاني: أن فهْم الإسلام في المغرب طُعِّم بمفاهيم مدنية حديثة في وقت مبكر على أيدي آباء الاستقلال الوطني وجلهم من ذوي الخلفية الإسلامية كالفقيه الشهير علال الفاسي؛ وهذا التطعيم جعل المفاهيم الحديثة عن (الحرية)، و(التسامح)، و(المواطنة)، و(الشراكة الوطنية)، و(التعددية) و(فقه التعايش) من نسيج الفكر الإسلامي في المغرب، وقد ورث الإسلاميون المغاربة هذه المفاهيم وغيرها من مفاهيم الفكر الوطني من آباء الاستقلال، وقد ساهمت هذه المفاهيم في إيجاد مساحة فكرية مشتركة واسعة بين أطياف المجتمع المختلفة فكريًّا، وجعلت الخطاب الحركي أقل حديَّة مع المختلفين معه فكريًّا مقارنة بالخطاب الحركي المشرقي.
نموذج (الإسلام المغربي)
سليمان الضحيان3 دقائق للقراءة

حجم الخط
