ماذا يدور في رأسه؟ ..
منذ وقت وهو يتفرّس في وجهي.. حتى إذا ما التقت نظراتنا أسقط عيونه على يديه، وراح يعد أصابعهما.
لم أكن أشعر بالقلق.. ولم أكن أشعر بالارتياح أيضا.!
كان الانتظار في استقبال عيادة المرضى مملاً، فقد أتيت على استعراض كل صور المجلة الوحيدة ووضعتها على الطاولة.. ها قد وجدت ما يشغلني، تبادلنا أنا وهو جولات من اختلاس النظر.. وحينما التقت عيوننا للمرة الثانية عاد إلى أصابعه يعدُّها من جديد!
أحاول أن أتذكر هذا الوجه، وجه مسطّح يخلو من أي تعبير.. كأنه وجه من رخام، كل شيء فيه جامد إلا العينين..
ظهرت الممرضة الفلبينية من الباب الجانبي تنادي:
_»مستر سائيد»..
نظر المرضى إلى بعضهم.. لم يكن اسمي «سعيد»، و لم يكن هذا الاسم يناسب جاري، فهو لا علاقة له بالسعادة لا من قريب ولا بعيد!
أقبل أحدهم من الممر الخلفي واتجه إلى غرفة الطبيب، شعرت بالارتياح، فقد تمنيت ألا يكون جاري هو المقصود بالنداء.. اجتهدت بعدها ليرى ابتسامتي، كان لا يزال يعد أصابعه، وحينما أحس أنني ألاحظه وضع يديه في جيوبه.!
تشاغلت عنه وانهمكت في عد أصابعي أنا أيضاً..
لاحظت أنه يستمر في النظر بعد أن شعر بالاطمئنان أكثر.. اقترب أكثر وانهمك هو أيضا في العد، وافترت شفتاه عن ابتسامة مرتجفة بلا صوت.
حينما انتهيت من العد بسط يديه.. وجدت اليد التي كان يصافح بها الناس ناقصة ثلاث أصابع.. كنت أريد أن أقول له إن ما ينقص أكثر الناس استواءً وتكاملاً أهم من ثلاث أصابع!
نهض جاري بعد أن نادت الممرضة ثانية: «مستر سائيد»!