على مدى الأربعة عشر قرنا الماضية كان حديث الرسول صلى الله عليه وسلم (سيأتي على الناس سنوات خداعات..وينطق فيها الرويبضة)، يستخدم أسوأ استخدام من قبل الأجيال المتعاقبة جيلا بعد جيل، وكل منهم يؤكد أن القيامة قد دنت، وأن من يختلف معهم في الحوار هم الرويبضة المذكورون في هذا الحديث الشريف.
وكانت القرون تمر دون أن تقوم القيامة، ودون أن يثبت أن أيا من المتهمين السابقين بذلك يستحق تلك الصفة المشينة، والتي تدل على نقص عقله، وقلة ثقافته، وسوء علمه وسخافة معرفته، وانعدام قدرته على التعلم والتثقف في الأمور الدينية.
وقد راج استخدام ذلك المسمى في عصرنا هذا وطغى، وأصبح سهما يطلق من أي فم، وعلى أي محاور، بحيث صرنا نحتار في معرفة أي من الطرفين يستحق هذا اللقب، خصوصا وأن من يكثرون من استخدامه في العادة يكونون الأقل قدرة على البحث والتفكر والرؤية والإقناع، والأضعف حجة، والأسوأ قدرة على إظهار الحلم وسعة الاطلاع.
وكما نعلم أن المعارف في يومنا هذا لم تعد كحالها في زمن الأمية القديم، حين لم يكن يحسن القراءة والكتابة إلا قلة من الخلق، وكان من يقرأ ويكتب يعد مركزا للعلم ومنبرا للمعارف؛ أما في عصرنا هذا فأصبح حتى الطفل قادرا على القراءة والاطلاع والبحث، والتعلم الذاتي، والتوصل إلى الآراء النظرية والعلمية من مصادرها، واستخدامها أثناء الحوار مع الآخرين.
وتدور الحوارات بيننا، وتتعارض الآراء، وتجد الجهلة وأشباه العارفين يبرزون من خلال قنوات التواصل، ويتعمدون مناقشة العارفين المتنورين الراسخين، ويبارونهم بضيق أفق، مما يجعل الحوار يتجه إلى مناطق العوز الفكري؛ ثم لا يلبث أحد الطرفين، وهو في العادة الطرف الحافظ الضعيف المفلس، أن يتهم الطرف المقابل بأنه الرويبضة المذكورة في الحديث الشريف.
الوضع مزر، ومضحك في آن معا، فمن الذي لديه القدرة على تحديد الرويبضة، ومتى يكون ذلك التحديد صادقا متيقنا بقرب يوم القيامة، التي تظل سرا في علم الغيب.
استخدام الحديث أصبح عادة ممتهنة، ووسيلة رخيصة غرضها إقصاء المحاور، ولجم العنان، وتنابز بالألقاب يزاوله البعض ضد كل من يقف أمامهم بالحجة، ويحاورهم بالعقل، ويقنعهم بالمنطق، والرؤية السليمة للأمور.
لقد أسأنا باستخدام هذا اللقب إلى الحديث الشريف، وصرنا نلقيه تهمة على بعضنا، كما نلقي ألقاب الليبرالي، والداعشي، والإرهابي، والمنحل، وغيرها من الألقاب المقصية، القاتلة للفكر، والمختلة العدالة.
فحبذا لو يترك هذا اللقب لأوان الله أعلم به، فلا نستخدمه إلا مع من يثبت عقلا ومنطقا وبرهانا بأنه يمثله، وألا نسيء لرسولنا الأعظم بتوزيع تلك الصفة على غير أهلها، بتعنصر منهجي على كل من لا يعجبنا كلامه، وكل من يحاول التفكر والتدبر من زوايا جديدة، وكل من يفحمنا بحجته المقنعة، وكل من يرى ما لا نتمكن من رؤيته.