ما يقال بأن «الفاضي يعمل قاضي» صحيح مجرب! إذا خلا المرء من معارف وخبرة واطلاع وفكر وهواية ومشاعر فلن ينضح شيئا من داخله وتتجه حواسه لخارجه، يتلقف الأخبار والمظاهر البعيدة أو القريبة حسبما يصادفه، يدخر بعضها في حلقه لغده، ويُبقي بعضها في فمه ليومه، لتخرج بعد تصرف اللسان المطلق فيها جديدة المظهر!
الذين يلوكون أقوال وأفعال وحياة غيرهم ويتصدون لها بالتحليل والتفسير والحذف والإضافة يراهم أمثالهم في مقام أهل دراية وحصافة، فالطيور على أشباهها تقع، ولأن قمة العلم ومنتهاه عندهم هو أحوال هؤلاء وأولئك ونواياهم ومصائرهم الغيبية! وعندما يكون ذو اللسان في مجلس يناسبه من الأهل والأصدقاء تتحول رواياته وتفاسيره إلى مُسلّمات تنمو وتتفرع حتى يصير يومهم وليلتهم بداية لفترة لا يعلمها إلا الله، يعاد فيها الكلام بتفاصيل جديدة ويكون لهم عن كل حدث أسابيع أو أشهر من السمر والمهاتفات والجدل واللمز والتسلط، فلا ينقطع اجترارهم لأسماء وصفات وكلمات وتصرفات الآخرين، ولا ينتهي حماسهم اليومي فيما يحسونه «تدبيرا» و»تأويلا» ضروريا ثم تدخلا وأحكاما في مجريات حياة هذا وذاك، مستشعرين الرضا عن أنفسهم كأنهم قضاة في شؤون غيرهم تبدأ جلساتهم وتقرع طبولهم العبارة المهمة «هات الهرجة»!
قد يقول قائل إنه محاباة لجماهير الجهل والفراغ يأتيهم خبيث أو إمعة «بهرجة» يتداولونها ليحقق متعته ومتعتهم، فأذكر القائل أنهم مستغنون عن طلقة انطلاق توضع في أسماعهم، فإنشاء خبر وموضوع وإلقاء اسم للبحث والتعليق لا يستعصي عليهم بل هو بعض لغطهم! وليعلم من يتعجب ويتأذى من الثرثارين والنمامين والمغتابين والمتطاولين أنه شهادة له بالكمال، وأن يلزم قول المتنبي:
أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جراها ويختصموا ليضمن الراحة والسعادة في حياته ما دام يعيش في وضوح وينشد الصواب.
فلنكن ممن ذكرهم قدوتنا عليه الصلاة والسلام بقوله: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت».