جمع هذا الشهر تاريخ مولد المسيح عيسى بن مريم، عبدالله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، ومولد المصطفى محمد بن عبدالله، عبد الله ورسوله وخاتم الأنبياء المرسلين، عليهما السلام، وكان لما بين مولديهما وجوه وصلات، فهما أمران عظيمان وحدثان جسيمان مهدا لتحول في تاريخ البشرية، فقد كان مولد المسيح معجزة عظمى حين ولد لأم دون أب، وتكلم في المهد صبيا، وقال إني عبدالله ورسوله، فمهد هذا الحدث العظيم لنبوته التي أدت إلى انتشار دين النصرانية في الأرض.
وسيظل مولد المسيح معجزا وأمرا عظيما دالا على عظمة الخالق وقدرته وإن أُختلف على تاريخ ولادته، وخالفنا النصارى في اعتقادهم في مولده وذاته وما هم عليه من دين التثليث المنسوخ بدين الإسلام، وما زال جمهور من المسلمين يشاركون النصارى الاحتفال بمناسبة مولده ويهنئونهم بهذه المناسبة، وليت المجمع الفقهي يصدر فتاواه فيما يعرض لعامة الأمة في أمورها الحياتية ويتعلق بعقيدتها.
وكان مولد محمد بن عبدالله، صلى الله عليه وسلم، حدثا عظيما رافقه عدد من إرهاصات النبوة، منها النور الذي خرج من أمه، وحادثة شق الصدر وغيرهما، فكان في عناية الله، محفوظا بحفظه، محروسا برعايته حتى بعثه الله رسولا نبيا إلى الناس أجمعين ورحمة للعالمين، بل الثقلين، الإنس والجن، فمحيت برسالة القرآن رسالة الإنجيل والديانات الأخرى وخُتم برسالته الرسالات، وأظهر الله الحق وأبطل الباطل، وأكمل الدين، وأتم النعمة وانتشر دين الإسلام، وأشرقت به الأرض، وتحول الناس به من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وأخرجهم الله بمحمد السراج المنير والبشير النذير من الظلمات إلى النور.
فاهتدى بهداه أمة من أهل النصرانية والأمم الأخرى، ووجدوا في ظل مبادئ الإسلام السامية وتعاليمه السمحة وشرائعه الربانية العدل والرحمة والحقوق الإنسانية. وظل أكثر من أربعة عشر قرنا منار الهدى والحق، وسيظل النبراس الهادي إلى الصراط المستقيم حتى قيام الساعة.
وإذا كان التأريخ لمولد المسيح عليه السلام لم تثبت صحته عند بعض أهل العلم، وصوبوا أنه ولد صيفا لا شتاء، فإن تأريخ مولد المصطفى عليه السلام هو المشهور والراجح عند جمهور الأمة، وهو يوم له مكانة في الإسلام وأهميته في تاريخ الأمة. وبين عليه السلام قدر يوم الاثنين وما كان فيه، وأنه يوم مولده، وليس من الصواب تغليب الخلاف في تأريخه أو تجاهل وإنكار قيمته دفعا للبدعة من بعض المحاربين للمولد، فحدث المولد وأهميته التاريخية أمر والاعتقاد في الاحتفال بالمولد أمر آخر، وقد قال أهل العلم حكمهم فيه.
لقد كان يوم مولده، صلى الله عليه وسلم، وزمن مبعثه ودار مولده ومهاجره أمرا معلوما ومترقبا تحراه أهل العلم بالكتاب، وما أخبر الله به إلا لأهميته وما علموه إلا من علم الله الذي علمهم وما تُرقب إلا لتحري انبلاج نور الحق والهدى على يد صاحبه وليسعد الناس بالرحمة المهداة.
وإني لأرى يوم مولده، صلى الله عليه وسلم، يوما من أيام الله، لا نقدسه ولا نخصه بعبادة، ولكننا نوقن بأهميته ومكانته وقيمته في الإسلام وتاريخ الإنسانية، ونؤمن بمن ولد فيه ونصلي ونسلم عليه وآله وصحبه أجمعين.
ومع تقادم العهد بين المولدين فقد بشر المولود الأول بالمولود الآخِر أحمد، وآمنت أمة النبي الخاتم بالمسيح ورسل الله السابقين وكتبهم، فكلهم رسل الله، المبعوثون بالتوحيد، الداعون للواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.
وإذا كان الأنبياء السابقون قد اختلف تاريخ ميلادهم ومبعثهم، وتباعدت موالدهم فقد حجوا إلى مكة مولد محمد عليه الصلاة والسلام ومبعثه، التي فضلها الله على الأرضين كما فضل محمدا على الناس أجمعين، وفضل زمنه وقرنه على الأزمان والقرون.
وكما التقى تاريخ المسيح بتاريخ محمد عليه السلام أول الزمان فسيلتقي في آخر الزمان حين ينزل عيسى من السماء على دين محمد وفي أمة محمد، محاربا لأهل الكفر، ومنذرا بزوال الحياة الدنيا، ومؤذنا بختامها بدين الإسلام، دين النبي الخاتم عليهما من ربي الصلاة والسلام.
ما بين المولدين النبويين
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
