تعاني الكرة السعودية في السنوات الأخيرة من عدم الاستقرار والثبات في المستوى والنتائج، ما جعل تحقيقها لإنجاز يروي عطش سنين عجاف مرت على الرياضة السعودية أمرا قد يطول، فآخر بطولة لكأس آسيا حققها المنتخب السعودي كانت في عام 1996م وآخر مشاركة له في تصفيات كأس العالم كانت عام 2006م، بمعنى أن آخر إنجاز حققه المنتخب السعودي على مستوى قارة آسيا كان قبل ثماني سنوات! وطيلة هذه الفترة المنتخب السعودي يبحث عن نفسه ويقدم مستويات ونتائج مخيبة لآمال جماهيره، وأصبح المسؤولون في الاتحاد السعودي لكرة القدم يبحثون عن الأسباب وطرق علاجها ولكن بمبررات تفتقد للمنطق والعقلانية تنبئ بأن الوضع سيستمر وأصبح الخروج من بطولة أو أي مشاركة للمنتخب سواء إقليمية أو قارية متوقعا، وكالعادة في كل مرة المدرب هو الضحية، ويتم إقالته واستبدال مدرب آخر به، ومستمرون على هذا المنوال من مدرب لمدرب في كل إخفاق يتعرض له المنتخب، والمعلوم أن المدرب جزء من منظومة وأن هناك إداريين ولاعبين يتقاسمون معه المسؤولية، وهذا الشيء الذي لا يحدث لدينا في الرياضة السعودية بل نضع اللوم والمسؤولية كاملة على المدرب، والشيء المبكي المضحك أن من يقوم باختيار هؤلاء المدربين هو الاتحاد السعودي لكرة القدم والذي يقيلهم أيضا هو الاتحاد نفسه رافضا الاعتراف صراحة بأنه جزء من المشكلة لعدم إجادته اختيار المدرب المناسب وإيجاد حل لهذه المعضلة التي تلازم الكرة السعودية منذ فترة ليست بالقصيرة، ونتيجة لذلك أصبحت سمعة الرياضة السعودية في تعاملها مع المدربين غير جيدة، ولقناعة هؤلاء المدربين أن الأخطاء واللائمة ستقع عليهم في حالة حدوث أي إخفاق، فأصبح الكثير منهم يتجنب العمل في السعودية، ما جعل هناك صعوبة في الحصول على مدرب للمنتخب والأندية، وإن حصل ذلك نجدهم يضعون شروطا جزائية بمبالغ فلكية يحصلون عليها عند فسخ عقودهم.
المشكلة التي تقع فيها غالبية الأندية والمنتخب السعودي عند القيام بالتعاقد مع المدربين هي: عدم اختيار المدرب الذي يتناسب ويتلاءم مع عقلية وإمكانية اللاعب السعودي.
مثال توضيحي لذلك: (المدرب فرانك ريكارد)! كلنا شاهد نادي برشلونة إبان إشراف المدرب ريكارد كيف يقدم كرة قدم جميلة وسهلة فيها جميع فنون كرة القدم الحديثة، أمتعت جميع مشاهدي كرة القدم في العالم ما جعل المسؤولين في الاتحاد السعودي لكرة القدم يحرصون على التعاقد معه من أجل تحسين وتطوير المنتخب السعودي.
وعندما تم التعاقد معه لتدريب المنتخب السعودي فشل في تقديم وبناء منتخب مقنع أو على أقل تقدير يقدم كرة قدم يشعر من خلالها الجمهور السعودي بأن هناك بصيص أمل في تطور وتغير إيجابي في أداء ومستوى المنتخب السعودي وهذا الذي لم يحدث، ما جعل الكثير من الجماهير تتساءل عن السبب في عدم قدرته على صناعة منتخب يحقق ما يطمح إليه الشارع الرياضي السعودي في ظل الإمكانات الفنية التي يمتلكها إبان إشرافه على النادي الكتلوني، وكذلك الإمكانات المادية والمعنوية التي وفرها الاتحاد السعودي لكرة القدم.
والإجابة بكل بساطة: هي (فارق الإمكانات) بين لاعبي برشلونة ولاعبي المنتخب السعودي.
عندما درب ريكارد نادي برشلونة كان تعامله مع ناد ولاعبين محترفين بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، الكل يعلم ما هو دوره والمطلوب منه وما ينبغي القيام به، فمن السهل عليه وضع الخطط والتكتيكات التي يطبقها ويترجمها اللاعبون داخل الملعب.
ومن الطبيعي جداً أن تكون هناك فجوة وعدم انسجام بين مدرب محترف يريد لاعبا جاهزا بدنيا ولياقيا وذهنيا يطبق ما يطلب منه داخل الملعب وبين لاعب لا يحمل من الاحتراف إلا اسمه فقط ولا يملك من تفاصيله شيئا بل يحتاج في بداية كل بطولة لإعداد وتأهيل وبالكاد يستطيع تطبيق بعض الجمل التكتيكية التي يطلبها المدرب وذلك بعد انقضاء نصف مشوار البطولة.
بمعنى أن نجاح مدرب مع فريق أو منتخب لا يعني بالضرورة نجاحه مع فريق أو منتخب آخر، فنوعية اللاعب والفكر الكروي العالي والعقلية الاحترافية بالإضافة للإمكانات المتوفرة من متخصصين في التهيئة النفسية والتقويم المستمر وغيرها تلعب دورا كبيرا في نجاح المدرب أو فشله.
وعلى اللجنة الفنية التابعة للاتحاد السعودي لكرة القدم عند الرغبة في التعاقد مع مدربين مراعاة هذا الجانب المهم جدا في اختيار المدرب المناسب الذي يستطيع التعامل مع اللاعب السعودي وتهيئته بالشكل المطلوب، وذلك لإعادة البسمة للشارع الرياضي في القريب العاجل إن شاء الله.
ففي السنوات العشر الأخيرة فقط تعاقد الاتحاد السعودي لكرة القدم مع سبعة مدربين أي بمعدل (مدرب) لكل سنة وأربعة أشهر! وهذا أمر غير جيد في عالم كرة القدم لما له من سلبيات عديدة منها:
عدم القدرة على بناء منتخب قوي لانعدام الانسجام والثبات على تشكيلة واحدة وإيجاد توليفة بين لاعبيه، وبالتالي لا يستطيع الصمود لفترة طويلة والمنافسة لتحقيق إنجازات لأن كثرة تغيير المدربين يدمر نجوما كثرا لقناعات المدربين في اختيار اللاعبين لذلك نرى كثرة استدعاء اللاعبين ومن ثم استبعادهم، وهذا يولد لديهم إحباطا وعدم ثقة بأنفسهم وبالقائمين على المنتخب.
ونتيجة لعدم الاستمرار والبقاء على مدرب معين لفترة طويلة أدى لفقدان الكرة السعودية لكثير من اللاعبين وذلك بظهور وبروز وجوه شابة ولاعبين موهوبين في بداية كل موسم رياضي تقدم مستويات جيدة مع فرقها ولها مستقبل مشرق في عالم المستديرة لما تملكه من مهارات كروية وفكر كروي عال ومن ثم نفاجأ بعد استدعائها ومشاركتها للمنتخب بانخفاض وهبوط في مستواها ثم اختفائها عن الساحة الرياضية.
الكرة السعودية ومعضلة المدربين.. أين الخلل!
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
