منذ أن نال السودان استقلاله في العام 1956م من القرن الماضي - إلا أنه ومنذ ذلك التاريخ البعيد لم ينعم بالاستقرار، ولم يسلم من التقسيم الذي تتزعمه دول عظمى بغرض إضعاف السودان، والقضاء على دوره في العمق الأفريقي، والتشكيك في انتمائه العربي، فالمتابع للمشهد السياسي في هذا البلد وعبر مختلف الحقب يجد ما أشرنا إليه واضحا كالشمس في رابعة النهار.

وبالرغم من تعاقب الحكومات بمختلف ايدولوجياتها الفكرية، وما تطرحه من برامج لسياسة الدولة إلا أنها لم تثبت في وجه العاصفة ولم تقهر الطوفان.
المواطن السوداني المغلوب على أمره ودود وطيب، ومؤمن وصبور - يطمح لغد أفضل عبر كوة ضيقة في أتون الظلام ريثما ينبلج منها ضوء ولو خافت يبشر بصبح العافية والخلاص والاستقرار.
ومسلسل التقسيم البشع كتب أول حلقاته في العام 2005 م وتوج بانفصال دويلة (جنوب السودان) التي كانت تخوض حربا امتدت لقرابة نصف القرن فقد السودان فيها خيرة شبابه وشيوخه. 
وانتصرت القوى العظمى في هذه المعركة بعد أن وقعت كل الأطراف لتعلن للعالم ميلاد دولة جديدة. إلا أنها لم يكتب لها الاستقرار ولم يجف حبر التوقيع على انفصالها ريثما اندلعت حرب قبلية بين الأطراف المتصارعة على الحكم فيها وهي مستمرة حتى الآن واستعصى فيها الحل على الرغم من العديد من المبادرات والمساعي التي تقوم بها عدد من الدول الأفريقية، السودان من بينها - إذ لم يكن هناك جدوى من الانفصال أصلا.
على الجانب الآخر (قضية دارفور) بغرب السودان والتي تم تدويلها على موائد الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، وهي لا تعدو كونها نزاعات وصراعات قبلية بالإمكان أن تحل داخل إطار البيت السوداني لكن مساعي الدول العظمى تريد منها أن تكون نواة وبذرة لدولة جديدة. والشرق أي (شرق السودان) لم يسلم أيضا من المناورات اليهودية الصهيونية على شريط البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وكل الدول الأفريقية الواقعة على هذا الشريط.
إذن لم يبق إلا (الشمال الحزين) وأنشودة إسماعيل حسن (بلادي أنا) والشمال يندب حظه القديم ويجتر ذكرى حضارات نسيها التاريخ. فالسودان وما يتمتع به من تعدد ثقافات ولهجات وموارد طبيعية وأرض خصبة بكر ونيل سلسبيل يجري من جنوبه إلى شماله، ومناخ متعدد وكنوز في باطن الأرض، ورقعة شاسعة ممتدة - كل هذه المعطيات كرست لمطامع الدول العظمى لتقسيمه.