لا يزال البعض وبكل سذاجة وغباء يمارس تلك اللعبة القديمة التي طالما مارسها الحكام ومارستها الدول عبر التاريخ، وتاريخنا العربي والإسلامي يعج بتلك الممارسات الساذجة للعبث بالتاريخ من تزوير وتلفيق وإضافة واختلاق أحداث ومحو وقائع حقيقية وقعت عبر التاريخ.الكذب على التاريخ ليس وليد اليوم أو عبثا بتاريخ قريب ولكنه ممتد منذ الرسالة المحمدية إلى يومنا هذا، فكثير من العلماء والمؤرخين تكلموا عن التجاوزات الكثيرة في بعض كتب السيرة وعلى رأسها سيرة ابن هشام ولأن التاريخ لا يؤخذ كما يؤخذ علم الحديث من تحقيق وتمحيص وتدقيق في الرجال حدث كثير من الاختلاق والتلفيق في سيرة سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، وسير الصحابة رضوان الله عنهم، وتاريخ الدول الإسلامية المتتابعة، وهناك كثير من تصدّ لهذه التجاوزات ومؤخراً قرأت كتاب «ما شاع ولم يثبت في السيرة النبوية» لمحمد العوشن وفيه تمحيص لكثير من الأحداث والوقائع التي شاعت ولم تثبت في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهناك من المؤرخين من انبرى لتجديد كتابة السيرة في ضوء المصادر الأصلية، ومن يكذب في تاريخ خير البشر من السهل عليه الكذب والتزوير في تاريخ الدول المتلاحقة.
وأنا هنا لست في صدد الرد على ما حدث من تشويه لتاريخنا الإسلامي والعربي في كتب التاريخ من قبل مؤلفين أقل ما يمكن القول عنهم أنهم (مزورون) فهناك من هم أعلم وأخير مني في الرد عليهم. 
ولكن ما دعاني اليوم لكتابة هذه التدوينة هو السيل الجارف المنتشر في جميع وسائل التواصل الاجتماعي تحت مسمى (انشر لنصرة دينك)، (انشر تؤجر)، وما يحمله من كذب وتلفيق في تاريخنا العربي والإسلامي فحضارتنا الإسلامية والعربية لن تقوم على الكذب والتدليس واختلاق أحداث لم تقع أو محو تاريخ وأحداث حقيقية حدثت، فحضارتنا شامخة بكل وقائعها وأحداثها وليست في حاجة لكتابة تاريخ مختلق لتبرير تصرفات أو أفعال حكام ودول، فمثلاً ما حصل من تشويه لسيرة السلطان العثماني سليمان القانوني في المسلسل التركي «حريم السلطان» قابله تشويه آخر من قبل المدافعين عنه، فكثير مما يأتينا عبر الواتس اب عن هذه الشخصية ما هو إلا كذب وتدليس وتلفيق ما لم يحدث، فسيرة هذا السلطان فيها من الإضاءات المشرقة الكثيرة التي تغني المدافعين عنه من العبث في التاريخ واختلاق قصص هلامية تظهر شجاعة الرجل، ولأن الواتس اب وكذلك بقية وسائل التواصل الاجتماعي لا تطلب وثائق وإثباتات لما يطرح فيها، لذلك تجد انتشارا شاسعا وكبيرا لمثل هذه الرسائل التي دائما ما تأتينا بشكل قصصي مشوق أو عبارة عن معلومات خفيفة سهلة الحفظ والاستشهاد بها بين الحين والآخر، فتنتشر بين الناس على أنها حقيقة وترسخ في أذهان النشء على أنها الحقيقة الدامغة، وللأسف الشديد شاهدنا وعرفنا كثيرا ممن تبدلت أراؤهم وأفكارهم ومعتقداتهم بسبب هذه التناقضات التي حصلت في التاريخ فالواحد منهم ينشئ على معلومات تاريخية ودينية معينة، وعندما يكبر وتتوسع مداركه يكتشف هذه التناقضات وهذه الأكاذيب، ولأنه لا يملك الخلفية الفكرية والثقافية التي يميز من خلالها بين الصالح والطالح فتجده يهيم في أفكار منحرفة وغريبة، وبعد ذلك نندب حظنا ونلعن التغريب ونلعن بعض الطوائف والمذاهب التي أتت بالشر لأبنائنا ونسينا أننا السبب وراء مثل هذه الأفكار بنشرنا لأكاذيب وقصص مختلقة أو محونا تاريخا وقع من خلال (انشر تؤجر)، (انشر وانصر دينك).