لم يكن الأمن مجرد مسؤولية يتحملها ويقوم بها فقط رجال الأمن في بلادنا لأجل حمايتنا جميعا من كل معاد ومخرب وعابث يسعى إلى تفتيت نسيجنا الاجتماعي وتفكيك وحدتنا والقضاء على مقدراتنا الوطنية، وإنما بات هذا الأمن قضية اجتماعية متجددة تتطلب من كل فرد منا التفاعل معها والمساهمة فيها بكل ما نملكه من سبل، وأينما كان موقعنا على خارطة هذا الوطن العزيز. 
ذلك لأن الأمن لا يقتصر على القيام بحراسة بنك على سبيل المثال من أن يسطو عليه سارق ليسرق ما به من مال في جنح الليل، أو الوقوف أمام سوق تجاري مخصص للنساء لهدف الحيلولة دون دخول شباب مراهقين أو طائشين إليه، وإنما يشمل هذا الأمن كافة جوانب حياتنا الخاصة والعامة وليس هناك أدل من قول الله تبارك وتعالى: (فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: من أصبح معافى في بدنه آمناً في سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها.
فالأمن إذا مطية كل خير وركيزة من ركائز الاستقرار والبناء والتقدم والازدهار، وأي خلل فيه سينجم عنه لا محالة فقدان الكثير من مقومات الحياة كتعطل أعمال الناس لكسب الرزق وهجر المساجد، والانقطاع عن صلة الأقارب والأرحام وتوقف حركة التعليم وطلب العلم ومختلف جوانب التنمية فضلا عن انتشار المجاعة والأمراض وكثرة الوفيات والقتل وترمل النساء وتيتم الأطفال كما هو حاصل اليوم في كثير من بلدان العالم التي تفتقر لهذا الأمن، في الوقت الذي نعيش فيه نحن ساكني هذا الوطن المبارك وبلد الحرمين الشريفين بأمن وأمان واستقرار ورغد عيش إلى الحد الذي أصبحت فيه بلادنا مضرب المثل في هذا التميز الأمني والذي يطمح كثير من الناس في بلدان أخرى النيل منه، بينما هناك من بيننا وبكل أسف من يسعى لتبديد هذا الأمن وكأنه لم يتذوق طعمه وحلاوته في يوم من الأيام. 
قال والدي رحمه الله الذي شهد التحول المبارك في بلادنا حين سألناه عما كانت عليه البلاد سابقا من خوف وعدم استقرار بالإضافة للجهل والفقر وانتشار الأمراض وما نحن عليه اليوم من أمن واستقرار ونعم أخرى لا تحصى في مختلف جوانب الحياة: لقد كنا نخاف على أنفسنا في ذلك الوقت من قطاع الطرق أينما اتجهنا، أما سلامة بيوتنا وأسرنا فيتحتم علينا القيام بحراستها بالتبادل لا سيما أثناء الليل لحمايتها ودرئها من غارات بعض القبائل المتاخمة والتي كانت تتنقل كيفما شاءت نظرا لعدم وجود نظام يحكمهم لهدف نهب وسلب ما قد يصلون إليه من مال أو طعام أينما وجدوه هكذا كان حالهم. 
أما اليوم فنحن نعيش في عز وأمن واستقرار ورغد عيش تتطلب منا جميعا شكر الله عليها أولا وأخيرا والترحم على الملك عبدالعزيز الذي قيض الله على يديه توحيد هذه البلاد طيب الله ثراه، بالإضافة للمحافظة عليها من كافة ما يلزم لها لكي تدوم. 
وفي نفس الوقت لا بد لنا من السعي الحثيث والجاد والعملي في كل ما من شأنه تبصير أبنائنا وعموم شبابنا بمدى أهمية هذا الأمن على كافة الأصعدة، لا سيما وأن هناك من بينهم من لا يعرف حقيقة هذا الأمن بمفهومه الصحيح والعميق مما جعلهم يمارسون سلوكيات سيئة ومشينة بحق مجتمعنا ووطننا من التخريب والتدمير وإلحاق الضرر بالآخرين والذي زاد من حدته وتوسعه وانتشاره ما يصلهم من أفكار منحرفة عبر وسائل الإعلام المغرضة وبعض المنظمات المعادية، وكذلك ممن انتهجوا الفكر الضال في ظل غياب الدور التربوي اللازم لهم من قبل الأوساط التربوية وفي مقدمتها بالتأكيد الأسرة والمدرسة، كما بينته عدة دراسات وتقارير وكتابات بهذا الخصوص والتي منها دراسة د. محمد العاصم بعنوان: الأمن الفكري لدى الطلاب ودور المدرسة في تعزيزه، والتي طبقها على عينة من طلبة الصف الثالث الثانوي بعدد من المدارس الحكومية والأهلية بمدينة الرياض عام 1426هـ والتي أوضحت في نتائجها بوجود قصور لدى المدارس في إفهام الطلاب للمعنى الصحيح للأمن ومقاصده، وقصور أيضا في دور المدرسة وتعاونها مع البيت والمجتمع في تحقيق هذا الجانب بالإضافة لضعف المنهج الدراسي في توضيح مخاطر الانحراف الفكري وعواقبه. 
فقضية الأمن أصبحت اليوم في غاية الأهمية، وأمن وطننا ينبغي ألا نتهاون فيه أو نساوم عليه بتاتا، ولندرك مع هذا كله بأن هناك مؤامرات ومخططات تحاك ضدنا ومنظمات عدائية عالمية تعمل ليل نهار من أجل تفتيت مجتمعنا ولحمتنا الوطنية وكياننا السعودي لأجل نهب خيراتنا وثرواتنا التي منّ الله بها علينا كما فعلوا ذلك بالأمس في أمكنة أخرى من عالمنا العربي حسدا من عند أنفسهم، حمانا الله من شرهم وكيدهم وجعل تدبيرهم في تدميرهم، والله المستعان، وعليه فلنتوكل مع الأخذ بالأسباب، قال تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا).