رغم الظروف الاقتصادية المتقلبة نتيجة تذبذب أسعار النفط وما يشهده من هبوط في السوق العالمية، وإغراقها بمنتجات جديدة ومنافسة من النفط الصخري، إلا أن المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين أثبتت متانة اقتصادها، وتنوع بدائل الدخل التي يمكن أن تعوّض فاقد البترول حتى لو شهدت أسعاره انخفاضا أكثر مما هي عليه الآن، وجاءت ميزانية 2015 لتؤكد حرص الملك حفظه الله على السير قدما في مشاريع البناء والإعمار والتطوير، وأعطت أرقام الميزانية رسالة قوية حول استقرار المملكة اقتصاديا وأمنيا بما يحمله الأمن من معان كثيرة ومتعددة وعلى كافة الأصعدة التي تمس حياة المواطن والمقيم على تراب الوطن، وعكست إصرار الدولة على المضي في اقتصاديات بديلة للطاقة ستشهدها الأعوام القادمة عبر التركيز على اقتصاديات التعليم أو ما يسمى اقتصاديات (المعرفة)، حيث استقطع هذا المجال الحيوي والمهم ما مقداره 25% من حجم الميزانية العامة، ومع حرص المملكة على تنويع مصادر الدخل والتركيز على ترشيد المصروفات، إلا أن تركيزها على هذا المجال يعكس مدى أهمية بناء الإنسان والاستثمار فيه، وهو المجال الذي أثبت نجاحه في كثير من التجارب العالمية، والشواهد على ذلك كثيرة ومتعددة، فمثلا التجربة السنغافورية التي استطاعت أن تتجاوز أزمتها الاقتصادية التي عصفت بها في نهاية التسعينيات باعتمادها على إنتاج البحث والابتكار وتشجيع الأوساط العلمية على العمل في مجال العلوم والتقنية، وكذلك التجربة الكورية التي أعلنت في عام 2000 تحولها لاقتصاد معتمد على المعرفة وأنفقت شركة واحدة فيها هي شركة سامسونج التي يعمل بها (50) ألف باحث عام 2013 (40) مليارا على البحث العلمي، وكذلك التجربة الفنلندية، وقبلها جميعا الولايات المتحدة الأمريكية، التي تضخ أربع شركات فيها هي (قوقل وفيس بوك وياهو وتويتر) وجميعها تعمل في مجال التقنية الالكترونية (76) مليار دولار سنويا، وتمثل قيمتها السوقية (513) مليار دولار، وإذا كانت المملكة تولي هذا الجانب أهمية كبيرة لمسايرة الاقتصاد العالمي والمستجدات المتلاحقة في هذا الجانب، فإن ذلك لا يأتي إلا من خلال الاهتمام بقطاع التعليم بشقيه العام والعالي والذي شهد اهتمام الدولة به منذ القدم، وترجمته أرقام الميزانية، وقد أكد خادم الحرمين الشريفين حفظه الله في كلمته بمناسبة اعتماد الميزانية أن الدولة ماضية في تطوير التعليم باعتباره أساس التنمية حيث قال أيده الله: (نحن متفائلون من أن النمو الاقتصادي سيستمر بإذن الله مدفوعا بنشاط القطاع الخاص واستمرار تعزيز التكامل بين القطاعين العام والخاص ومواصلة تحسين أداء القطاع الحكومي وتطوير التعليم باعتباره أساس التنمية ومعالجة اختلالات سوق العمل لإيجاد مزيد من فرص العمل للمواطنين والتنمية المتوازنة بين المناطق والاستخدام الأمثل للموارد)، إنها رؤية حكيمة تترجم بعد نظر القائد واستشراف المستقبل الذي يشهد الكثير من التحديات المستوجبة للعمل المؤسس للتصدي لها والعمل على البدائل الاقتصادية المتاحة، والتي من شأنها أن تشكل رافدا مهما لدعم الاقتصاد الوطني المحمي بسياسة حكيمة، وأمن وطني عام بقي هو الأمثل عالميا، مما شجع رؤوس الأموال العالمية على الاستثمار في المملكة، ولم يقتصر العمل على ميدان التعليم بل شملت الميزانية قطاعات حيوية لها مساس مباشر بحياة المواطن كالصحة، والخدمات، ومشاريع البنية التحتية وغيرها من مجالات التنمية، ما أزال المخاوف التي سبقت إعلان الميزانية وتوقع بعض المحللين تراجع مشاريع التنمية نتيجة انخفاض أسعار البترول، لكن القيادة الحكيمة المتفائلة والواثقة بربها ثم بسياساتها اعتمدت ميزانية فاقت التوقعات وعكست ما تتمتع به المملكة من استقرار ونمو وتطور.