بداية يجب أن أوضح أمرين في غاية الأهمية، أولهما: أن العنوان أعلاه ليس ساخراً أو مجرد تلاعب لفظي بقصد الإثارة، بل هو بجديّة ملامح قارئ نشرة أخبار رزين، وثانياً: العنوان هو لخبر نُشر في هذه الصحيفة للزميل ناصر الصقور حيث يقول الخبر الـ.. (طريف – جدلاً – لم أجد له تصنيفاً يليق به سوى بعض المصطلحات التي ترفضها الصحافة نكاية بقدرة الشارع على تسميتها بلغة مباشرة وساخرة تثير غيرة الإعلام الرسمي وشبه الرسمي وما بينهما)، يقول الخبر: (كشف مصدر بوزارة الصحة لـ«مكة»، أن الوزارة تحقق مع لجنة كانت أرسلت للتحقيق مع مسؤولين بصحة نجران صدرت بحقهم شكاوى متعددة من عدة أطراف، تشمل مواطنين وموظفين بالصحة)..
وفي تفاصيل الخبر أن اللجنة (الأولى) أُرسلت للتحقيق في شكاوى تنوعت بين استغلال للسلطة وفساد مالي وإداري وهدر للمال العام، لكن هذه اللجنة لم تكمل يوماً واحداً في التحقيق ولم تقابل إلا طرفاً واحدا في القضية ثم عادت، بالطبع لا نحتاج معرفة ما توصلت إليه لجنة قضت نصف يوم وقابلت شخصاً واحداً لأن (ليال العيد تبان من عصاريها) كما يقول المثل الشعبي!
طبعاً أنا لا أنفي أنني أتحامل على أي لجنة، وأعترف أن مصطلح (لجنة) يسبب لي حساسية تتحول سريعاً إلى (عنقز) المعروف علمياً بجدري الماء كيلا تغضب وزارة الصحة من استخدام مصطلح غير علمي، تحاملي على اللجنة ربما بسبب مقولة للدكتور غازي القصيبي رحمه الله يقول: (إذا أردت لموضوع أن يموت فشكّل له لجنة)، هذا إذا كان الموضوع يخص لجنة واحدة، فكيف وأنا الآن أمام ثلاث لجان، اللجنة الأولى صاحبة الرقم العالمي كأسرع لجنة تحقيق، ولجنة للتحقيق معها، ولجنة ثالثة للتأكد من عدم وجود الفساد الذي سبق أن حققت به اللجنة الفاسدة، والحمد لله أنه حتى كتابة هذه السطور على الأقل لم تشكّل لجنة رابعة للتأكد من عمل اللجان الثلاث السابقة!
سأحاول الآن أن أتخلص من آثار سخرية اللجان، أُحاول أن أكون موضوعياً ومنطقياً وأضرب مثالاً غاية في البساطة، فمثلاً: لو كنت صاحب مؤسسة وراودني شكّ في أن أحد الموظفين فاسد فهل من المنطقي أن أُكلف زملاءه - الذين بحكم العمل المشترك أغلبهم أصدقاؤه - بالتحقيق معه، أم أُكلف جهة محايدة؟
وللأمانة وزارة الصحة لم تُحدث بدعة في هذا الشأن، أعني أن تحقق جهة مع نفسها، بل إننا قرأنا جهات عدة تؤمن أن الحل دوماً باللجان، رغم يقيني أن الحل دائما هو (بحّل) اللجان، وأن تُبادر كل جهة برفع أي شبهة فساد لنزاهة أو المباحث العامة، وتستفيد هي من عدم إشغال موظفيها بعمل تحقيق (ليس من عملهم أو اختصاصهم)، وفي نفس الوقت كيلا نقرأ «مانشيت» أكثر سخرية: (وزارة تدين نفسها بالفساد)!
التحقيق مع لجنة التحقيق!
فهيد العديم3 دقائق للقراءة

حجم الخط
