قالت أوبك كلمتها.. لكن ظهورها كان مفككا بامتياز.. فغياب الرؤى الواحدة والاستراتيجية ألقى بظلاله على الأعضاء المنقسمين، وفي المحصلة حققت المملكة هدفها في الحفاظ على مستوى الإنتاج تاركة الدول التي سعت لخفض الأسعار في ظل أتون موج متلاطم من عوامل السوق غير المنضبط.
خياران أحلاهما «مر».. هكذا كان عنوان قمة أوبك الأخيرة.. وكذلك المملكة فلا أسعار النفط الحالية بإمكانها أن تفي بحاجتها للمضي في إنفاقها الاستثماري المتزايد دون الاستعانة بالاحتياطي العام، كما أن الذهاب باتجاه خفض لأسعار النفط يظل هاجسا مؤرقا للرياض من مخاطر فقدانها أسواقا مهمة لطالما حافظت عليها كحصة سوقية دائمة.
كما أن القرار السعودي الذي يخدم المدى القصير لمصالحها انطلق من تحصنها باحتياطات نقدية ضخمة تجاوزت 900 مليار ريال خلال الأعوام الخمسة الماضية هي نتاج ارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق، وبالتالي فإن قدرتها على تحمل فاقد «ما» لفترة محدودة دون حدوث تباطؤ في معدلات الإنفاق الاستثماري أو إيقاف مشروعات تنموية سيكون متاحا جدا.
والمتتبع لحرص المملكة على عدم فقدان حصصها السوقية بإمكانه النظر إلى ارتفاع استهلاكها المحلي من النفط بشكل مخيف، إذ بلغ متوسط ما صدرته المملكة خلال الأشهر العشرة الأولى من العام الجاري نحو 6.7 ملايين برميل يوميا بقيمة بلغت 906 مليارات ريال، مما يعني أن متوسط سعر البرميل الذي باعته خلال تلك الفترة تلك بلغ 105 دولارات، وبالتالي فإن عزمها على الاستمرار في تنفيذ برنامجها الضخم للإنفاق الحكومي يعني أنها ستحتاج خلال العام المقبل إلى بيع النفط لسعر يفوق 80 دولارا في ظل نمو استهلاكها المحلي للطاقة وإلا فإن عليها الركون إلى البدء في قضم الاحتياطي العام شيئا فشيئا.
خلاصة القول إن الحال التي بتنا عليها من ارتهان مستقبل بلد بحاله لتقلبات سعر «سلعة ما» تعد مجازفة كبيرة وخطأً تاريخيا، كما أنه لا يمكن الركون إلى الاحتياطات النقدية الضخمة التي تشكلت خلال الأعوام الماضية إذا ما اعتبرناها حقا مكتسبا للأجيال القادمة.