تعرف العالم للمرة الأولى على «النفي» كعقوبة في زمن الإغريق، عندما ابتكرها القانوني كليستنيس في العام 503 ق.م لإقصاء أي زعيم سياسي يعدّ خطرا على الديموقراطية.
وبحسب دستور كليستنيس كان الإغريق يستطيعون خلال دورات محددة من جلسات مجلس الشعب أن يصوتوا على نفي أي زعيم، شريطة أن يدلي 6 آلاف شخص على الأقل من المجتمعين بأصواتهم ليصبح النظر في مسألة النفي قانونيا، وتكون مدة النفي الذي توافق عليه الأغلبية 10 سنوات.
وفي عهد الخلافة الإسلامية أخذ عمر بن الخطاب بالنفي عندما رأى أن هناك مصلحة لذلك، حيث نفى من المدينة إلى البصرة وإلى خيبر أكثر من مرة، كما غرّب إلى غيرهما.
أما في عصرنا الحالي فقد لجأت بعض الجهات الحكومية إلى النفي لمعاقبة موظفيها المخالفين لأنظمتها تحت مسمى »النقل التأديبي«، كما حصل مؤخرا مع منسوبي هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في القضيتين الشهيرتين »البريطاني وزوجته« بالرياض، و»حافلة الطالبات« في الطائف.
المفارقة، إذا كانت الحكمة من النفي بحسب مجلة البحوث الإسلامية «جعل الإنسان دائم الوقت حزينا، خائفا من السؤال عن سبب مجيئه لهذا البلد، وهو ببعده هذا يجد الألم والحسرة، ويجد نفسه مضطرا للتفكير ومراجعة أفعاله ومعرفة أخطائه وكيف يتفاداها مستقبلا»، فإنه وفقا للصور المتداولة عن الحفلة التي أقامها زملاء المنقولين من هيئة الطائف، والأخرى التي سبقتها ترحيبا بمنفيي الرياض، فإنهم ليسوا معاقبين، بل إنهم ما زالوا بين أهليهم ومحبيهم، وأن الندم لم يطرق بابهم أبدا، ولن يشعروا بالعزلة مستقبلا.
شخصيا أرى في النقل التأديبي تمييزا ضد بلد ومواطني المناطق المنقول لها المنفي، وذلك لعدة أسباب.
أولها، أن النقل يتم عادة للمكان الأدنى، وهي إشارة مسيئة بحق هذه المناطق باعتبارها أقل أهمية من تلك التي نقل منها. ثانيا، الإشارة إلى أن مواطني البلد المنقول منه الشخص أكثر أهمية من أولئك الذين سيستقر عندهم، وبالتالي لا مانع إن أخطأ بحقهم. ثالثا، إذا كان المنفي لم يستطع التأقلم مع مجتمعه وظروف منطقته المألوفة لديه، فكيف سيتعايش مع ثقافة المناطق الأخرى، والتي قد يكون بعض أهلها مخالفا له في المذهب والمعتقد.
الأكيد أن بعض الأخطاء يمكن اعتبارها طبيعية في منظومة العمل اليومية وبالتالي تقبل عقابها الإداري مهما كانت غلظته، وأخرى قاتلة لا مجال للتعاطف معها أو التغاضي عنها، كخيانة رجل الأمن لوطنه، والقاضي عندما لا يضع الله أمامه وهو يحكم بين الناس، وصاحب السلطة عندما يجور بسلطانه على الناس، وهؤلاء ومن هم على شاكلتهم لا يمكن أن يكون النفي عقابا كافيا لهم.
ليبقى السؤال، إذا سلمنا بكل ما ذكر سابقا، فهل يمكن اعتبار »النقل التأديبي« عقوبة للمنفي أو للبلد المنفي إليه؟

