وصل المجتمع إلى مرحلة كاد المتابعون أن يهللوا بعصر جديد مبشرٍ بانحسار المد العنصري القبلي والمناطقي، لكن أطلت بوجهها العنقاء من (أم رقيبة) وأظنها ترتبط بالعنقاء المشؤومة طويلة العنق، فالعرب كاريكاتيريون بطبعهم ينظرون للمميز في الكائن ويطلقونه عليه، فصاحب الرأس الكبير يسمى (أبو الرأس)، وذات العيون الكبيرة تسمى (أم العيون) ومشقوق الشفة (أشرم)، وأم رقيبة يبدو أنها العنقاء؛ لأن رقبتها طويلة، فمنذ إطلالتها والعنصرية تتواقد حتى استعرت نارا مؤصدة يحترق في جحيمها الجيل الحديث، فانفلت المراهقون في فضاءات النت يحملون ألقابا وأرقاما وأسماء مستعارة تنضخ عنصرية حمراء، وصلت إلى زجاج السيارات الخلفي، والأحواش المعمورة والمهجورة، ثم كانت مسابقات الشعر الشعبي (بنزينا) على تلك النار، احترقت في أوارها بشائر التحرر من العنصرية المقيتة، التي غلبت الخطاب الديني ولم تلتفت إلى ما قاله الله ورسوله.
التفاخر بالمآثر ليس محرما على البشر، لكن له آداب و»سلوم»، فأي فخر في كون الإنسان سلابا ونهابا وقتالا للآخرين، ومن الآخرون؟ إنهم إخوته في الدين واللغة والوطن، وجيران عشيرته، فكأن هذا التفاخر ردة عن الإسلام إلى الجاهلية الحمراء التي يسيّرها الجوع والبحث عن الماء والكلأ، في صراع الطبيعة المعروف، فمن يتفاخر في القرن الـ21 بالجريمة والقتل والنهب والسلب؟ ومن يتفاخر بشرب الدم، وضرب الهام وترميل النساء وتيتيم الأطفال إلا أشخاص مرضى، وجب عرضهم على «الدكتور طارق الحبيب».
إن المتابع اليوم للخطاب القبلي، خصوصا في الشعر الشعبي، سواء شعر العرضة والقلطة وغيرها، أم شعر النظم؛ سيجده خطابا أحمر، معظم مآثره وأمداحه تدور حول القتل والأسلحة القديمة والحديثة والدماء والتبييت والتصبيح، وكأن الشعراء يتهمون القبائل بالإفلاس من جميع المآثر التي تستحق الإشادة، لا يملكون إلا صراعاتهم الدموية قبل توحيد المملكة، وهي صراعات مبررة فرضتها مرحلة الجوع والجهل وظلامية الوجود آنذاك، ولا يفخر بها إلا جاهل.
ليس من المنطقي ولا من المبرر مطلقا أن يخرج الشاعر الشعبي عن تعاليم دينه ووطنيته لإثارة إعجاب قبيلته أو القبيلة التي تستضيفه، خاصة وجل الشعراء الشعبيين اليوم على درجات عالية من العلم والوعي، ليسوا كشعراء الأمس قريبي العهد بزمن الصراعات الدامية، وذوي الحظ القليل من العلم، فما دمنا نؤمن بالمبادئ فإن أول مبدأ يجب الحفاظ عليه في قاموس شعراء اليوم هو (الوطن) الذي يحتوينا جميعا، والبعد عن بذر الصدوع بين مكوناته، فذكر انتصار قبيلة في القدم لم يأت من الفضاء، بل كان على حساب قبيلة مجاورة لها، وذكر هذا الأمر على سبيل المدح والتفاخر، سيشعر أبناء القبيلة الأخرى بالحسرة والألم، ثم يجد هذا الخطاب الأحمر صداه في نفوس الشباب والمراهقين، فيغذي في أعماقهم الأفضلية والتعالي واحتقار الآخر، ونزعة العنف والعدوان التي صارت تتنامى رغم تنامي الوعي والتعليم.
إذا كان الشعراء لا يعلمون عن أثر هذا الخطاب الأحمر فليتفحصوا «ماسات» و»كشكولات» طلاب المرحلة المتوسطة والثانوية، وليتأملوا عباراتهم على الزجاج الخلفي لسياراتهم، وليقرؤوا في صفحاتهم الانترنيتية، ثم ليزوروا دور الرعاية الاجتماعية والسجون؛ ليروا ضحايا خطابهم الذي أجج في أرواح الصغار جمر العنصرية الحمراء.
قبل أيام شاهدنا ما فعلته العنصرية العمياء بالرياضة السعودية، فما بالكم والعنصرية القبلية أشد وأنكأ، وهي تجوس خلال أدمغتنا بفعل خطابات ليست مقصودة، لكنها مؤجِّجة، وعلى هذا فإني أطالب الشعراء جميعا بتوخي الدقة في تعابيرهم، وأن يرصد المشايخ والمثقفون والتربويون والمهتمون مظاهر هذا الخطاب الأحمر العنيف، وألا تتركه الدولة بابا مفتوحا، فما دامت تبذل المليارات في تنوير الناس وتعليمهم، فلها الحق أن تأخذ على أيدي هادمي جهودها بقصد أو بغير قصد، من أولئك الشعراء، فالوطن في حقيقته أرض جرداء لا يعطيه قيمته المادية والمعنوية إلا إنسانه، فكيف إذا كان هذا الإنسان على أعلى درجات الوعي والتحضر.