مضت سنين طويلة على مشاهدتي حلقة من برنامج (سيرة)، والتي استضاف فيها الإعلامي المتميز الأستاذ عبدالله الحصان، اللاعب الخلوق جدا عبدالقادر سعيد النزاوي الجهني، الملقب بالكتالوج أو (الكتا) تخفيفا واختصارا كما يحلو لعشاقه والمتيمين به تسميته!
لقبه أحدهم عندما شاهده يلعب ولفت نظره بمهاراته وإبداعه الذي يأخذ بالألباب، وأصابته الدهشة فقال: هذا الولد كتالوج الملعب.. منذ شاهدت الحلقة، أمني النفس بكتابة شيء يسير عن تلك الشخصية الفذة التي دخلت في باب الأسطورة!
ظل العنوان المكتوب أعلاه يطاردني في حلي وترحالي، وصباحي ومسائي، ويأتيني حينا، كطيف زاه، ولسان حاله يقول: إلى متى صدك وهجرانك؟ شعرت بأني أخون العنوان الذي عنونته؟ إلى أن قرأت نبأ رحيله في إحدى الصحف في العشرين من محرم الماضي. حينها كان العنوان أكثر إلحاحا وشراسة وتحريضا للكتابة والوفاء!
صديقي.. عندما تشاهد الحلقة تدرك بأنك أمام نجم كروي (إنسان) مليء بالطيبة والأخلاق وحب الآخرين، نقي داخليا، وغارق في الإنسانية فوق ما يتصوره العقل! تحدث بنبرته الجداوية التي فيها شيء من الخشونة غير المصطنعة صقلتها الأحياء التي لعب على ترابها، السبيل والكندرة وغيرهما.. عن الأخوة والمحبة والاحترام والتقدير والوفاء الذي بينهم والصداقة الحقيقية في النادي الواحد وتمتد لتصل برفق إلى اللاعبين من الأندية المنافسة التي غالبا ما يسودها (الود)، إذا غاب أحدهم عن التمرين ذهبوا جميعا إلى منزله للاطمئنان عليه، وتأخذهم النشوة أحيانا إلى بيت أحدهم ويطلبون منه أن يأتيهم بطعام الغداء دون أن يرى أنهم أثقلوا عليه. وعندما تجمعهم المعسكرات ويرون الوجوم على وجه رفيق لهم خلقوا (جوا) يلطفون به تلك الحالة بالأجواء الحميمية باللهو البريء (الغناء والأهازيج) وبعض المزاح، ليطردوا الرتابة والملل دون خدش وكسر كبرياء الإنسان! هكذا كانوا.
يقول رفيق دربه وزميله في الفريق غازي كيال: الكتالوج لاعب يجب أن نعطيه حقه، وإذا أردنا أن نتحدث عن المثاليين يأتي في المقدمة، كان مثاليا في أخلاقه ولعبه وأدبه وتعامله.. رجل رقيق القلب فوق ما تتصور، إذا ذكرته بالماضي يبكي ويبكي ودموعه لا تقف! منذ بدأ لم يختلف مع أحد ولم ينذره أو يطرده حكم أو يعترض عليه! وهو شخصية نادرة ويجب أن يكون رمزا من الرموز الرياضية المثالية.
قال الأديب المدني الجميل دائما د.عاصم حمدان: حتى بعد اعتزاله اللعب فقد ظل وفيا لحبه الأول، وجل الاتحاديين إن لم يكن جميعهم يفاخرون بمثل هذا الانتماء المتجذر، والذي يبلغ أحيانا عندهم «درجة العشق والوله»، وهو إن كان مسلكا لا يتقنه أمثالي، فإنه لا يمكن لوم الآخرين عليه فهو من الصلابة والقوة بحيث لا يستطيع صاحبه الانفكاك والتحلل منه.
ولد في حلة رفاعة بينبع عام 1355 هجرية، لعب في مركز الدفاع والهجوم، بزغ نجمه في الثمانينات الهجرية، لعب للأهلي والاتحاد ثم ذهب إلى الوحدة ليعود مرة أخرى للاتحاد، كان صاحب مهارة عالية وبنية قوية، مثّل منتخب الغربية والمنتخب السعودي، أحرز مع ناديه الاتحاد كأس الملك وكأس ولي العهد 1383، وكأس المصيف 1384، رحل عن عمر 81 تقريبا.
الآن بعد رحيل (الكتا) الرجل والأسطورة النادرة! الذي ينزوي أحيانا في إحدى غرف بيته، ليبكي رفقاء وأحباب الأمس كلما تذكرهم ممن تقاسم معهم (العيش والملح) من أمثال النور موسى، والد ورو، ومبارك أبوغنم، ومحمد الوصلة، والقملة، وسواهم.
أكتب هذا الرثاء وعيناي تذرفان دموعهما على غياب تلك العينة من الرجال، بأخلاقها وحبها ووفائها وإخلاصها للشعار الذي ترتديه.
أقول: من يغرس البذور الحسنة في نفوس اللاعبين الحاليين، لتنبت أعشاب وأشجار الحب والإخلاص والتآلف والوفاء لتغدوا ثمارا يانعة تقطفها الأجيال جيلا بعد جيل؟
الكتالوج.. ودموع على فراق الأحبة!
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
