شاء الله تعالى للبشرية أن تعيش صراعا مستمرا بين خنادق الخير والشر، وتارة بين الأشرار أنفسهم وتارة بين الأخيار أنفسهم، بدأ صراع الإنسان مع أخيه منذ أن قتل قابيل أخاه هابيل بسبب الحسد، وسارت البشرية يقتل الأقوياء الضعفاء ثم يشعر الضعفاء بالقهر والغيظ فتتحرك مشاعر الانتقام والدفاع عن حقوقهم فينقلبون على خصومهم ليكونوا هم الأقوياء في سلسلة لا تكاد تنتهي إلى يوم الدين.
سنة الله الكونية أن تكون الحياة مدافعة حتى يرث الله الأرض ومن عليها، فخرافة العيش بسلام ليست سوى محاولة لامتصاص غضب الدول والشعوب، ولا زلنا منذ أن عقلنا نسمع هذه الدعوات للعيش بسلام ولكننا نشاهد في الطرف الآخر كيف تتسارع وتيرة التسليح في جميع دول العالم وتزداد أعداد الجنود، ويشاهد البشر يوميا تلك الاستعراضات العسكرية والمناورات الحربية لمختلف الجيوش من جميع دول العالم، التي تهدف لبعث الرعب في قلوب الخصوم والطمأنينة في قلوب الشعوب التي تحميها .
ومن كان يظن أن البشر سوف يعيشون في سلام دائم فهو واهم لا محالة، وإذا كنا نعيش في حالة استنفار دائم وهو مطلب شرعي أولا وواقعي ثانيا فالأيام تثبت أن الخصوم لن يهدأوا ولن يتنازلوا عن مطامعهم، والشريعة الإسلامية جاءت فيها أوامر الله تعالى بذلك فيقول «يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم»، ويقول ربنا «ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة «، ويقول ربنا «ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا».
وفي حالة الاستنفار الدائمة هذه ينطلق أبومسلم الخراساني ببيته الشهير الصادق: ومن رعى غنما في أرض مسبعةونام عنها تولــى رعيــها الأسـد.
في هذا الخضم المتلاطم في عصرنا الحاضر كان السؤال المتكرر: كيف نحمي بلاد الإسلام ؟ كيف نحمي عقول أهل الإسلام ؟ وإنما قلت بلاد الإسلام لأن السهام المتجهة نحو صدورهم واحدة، وأفكار الخصوم في عداوتهم متقاربة، فهل يمكن أن نصدق أن الغرب المتعصب لديانته يسعى لرفع الظلم عن المسلمين، أو يسعى للحفاظ على آثار المسلمين؟ وها هي فلسطين وأهلها المشردون مثال صارخ لعدالتهم، وها هي جثث ملايين المسلمين شاهدة بوقاحة الغرب وحقده الدفين، وهذه مكتبات وتراث العرب تحرق وتسرق أمام سمع العالم وبصره، فهم يصنعون العدو ويمدونه بالسلاح ثم يتباكون علينا بدموع التماسيح، لينهبوا ثروات الشعوب ويسيطروا على عقول الشعوب.
منذ مئة سنة ويزيد والدعوات تجلجل من العلماء والكتاب للعرب وللمسلمين أن ينهضوا ويفيقوا من سباتهم،ولا زالت تلك الدعوات تردد في الخطب وتتلى في المحافل وتطرز في الأشعار والقصائد ثم ماذا كان؟سلبت بلاد المسلمين من خيراتها، وأصبحنا أضحوكة العالم بتفرقنا وتشرذمنا، وأصبحنا نستجدي أحقر الدول وأضعفها لتشارك في رد العدوان عن بلاد العرب والمسلمين، تسلطت الجماعات المدعومة من الغرب والشرق لخلق الفتن والحروب ونشر الفتن والكراهية بين الشعوب، لم نعد نفرق بين حزب إسلامي أو علماني فكلهم يقتل باسم مذهبه وكلهم يسعى للتدمير باسم عقيدته وكلهم كاذب يسعى لمصلحته ورئاسته ومجده.
هذا قدرنا وهذه مصيبتنا في الشرق الملتهب دوما..وهنا يأتي السؤال الأكبر ماذا يفعل العقلاء ليقدموا للبشرية علوما نافعة وأفكارا زاهية في ظل هذه الفتن المتسارعة والسنن الكونية التي لا محيص عنها؟لقد عاش العلماء الكبار في أزمنة الحروب وأزمنة الفتن والخطوب، ولم يهملوا حال الأمة وسعوا في إصلاح الأحوال المضطربة والصلح بين الخصوم، ولكنهم تميزوا بشيء مهم وهو أنهم اشتغلوا بعلومهم أولا، وتفرغوا للبحث والتدريس والتأليف ثانيا، وكانوا رحمة للأمة لا وبالا عليها، وعرفوا أن الاشتغال بالخوض مع العامة أو السفهاء في قضايا الغالب والمغلوب سوف يصرفهم عن الهدف الأسمى لهذه الحياة، وهو تحقيق الدين لله وعمارة الأرض وإفادة البشر، ومن تتبع سير مئات العلماء عبر تاريخنا الإسلامي وجد أنهم قدموا النصيحة حين تطلب منهم ولم يهملوها، ولكنهم شيدوا وحافظوا على مجد وحضارة الإسلام في أحلك الظروف السياسية للأمة.
.
العقلاء وأزمنة الفوضى
خضر بن سند3 دقائق للقراءة

حجم الخط
