تشكل البيروقراطية ومختلف التعقيدات الإدارية في المملكة العربية السعودية جدلا واسعا في الأوساط الشعبية بمختلف فئاتها، باعتبار أن هذه المسألة تجعل من مختلف المعاملات والإجراءات السهلة في ظاهرها معقدة ومملة في واقعها، وبالتالي تستهلك كل وقت وجهد المواطن وحتى الموظف في بعض الأحيان.
والبيروقراطية في الحقيقة نعني بها تلك التعقيدات غير المبررة والتي نجدها على مستوى المعاملات والإجراءات الإدارية، والتي خلقت في طياتها نظاما مليئا بالثغرات يسهم بشكل كبير في تعقيد سير المعاملات وتعطيل مصالح المواطنين، كما هو النظام الذي يعتمد أساسا على مركزية الإدارة التي من شأنها تكديس العمل وتركيزه في يد سلطة واحدة وهو ما يخلق نوعا من التعقيد والمماطلة.
صحيح أن البيروقراطية قد تساعد على إتقان العمل ودقته، لكن مساوئها أكبر بكثير، فيكفي أنها لا تقبل بتطوير نفسها ومواكبة العصر الآني، كما تتميز بعدم اهتمامها بالإنتاجية وبالوقت المهدر الناتج عن الإجراءات المعقدة التي تتطلبها المركزية والبيروقراطية.
وكما سبق الذكر، فإننا نعاني من هذا النظام البائس، وهو ما انعكس بالسلب على اقتصاد الدولة عامة، بحيث تشتكي غالبية المستثمرين على سبيل المثال من الغموض الذي يكتنف مختلف اللوائح والأنظمة القانونية، وذلك لعدم توافر البيانات والمعلومات الإحصائية الدقيقة، بالإضافة للوقت الطويل الذي تتطلبه أي معاملة إدارية، ناهيك عن المشاكل المعقدة الأخرى المتعلقة بالعمالة ومسألة إصدار الإقامة وغيرها من التعقيدات البيروقراطية الأخرى كالشروط التقييدية الكبيرة الموضوعة في وجه المستثمرين خاصة في مجال فرض المصارف والقروض وفيما يخص رؤوس الأموال، وهي كلها عوامل تسهم في تنفير المستثمرين وإعاقة الاقتصاد السعودي.
وعلى هذا الأساس نجد أن النظام البيروقراطي في مختلف المؤسسات السعودية تمكن من عرقلة كل مبادرات الإصلاح وأفقد ثقة كل المستثمرين، ويعود ذلك بالخصوص للطريقة المهترئة التي تنتهجها الإدارة في معاملاتها التي أصبحت شبيهة بتلك الطقوس الرسمية التي يجب تأديتها بشكل معين وروتيني من دون أي تفكير أو تجديد، وأضف إلى ذلك العوامل الأخرى التي تتعلق بالموظفين الحكوميين الذي يتسمون بالإهمال والتكاسل وتغليب مصالحهم الشخصية على المصالح العامة، فهذا هو أسلوب الإدارة الحكومية المتبع اليوم، والذي يثير غضب المواطنين من دون شك.
وبناء على هذه المعطيات يرى العديد من الخبراء أن السبيل الوحيد الذي يمكنه محاربة البيروقراطية هو الخصخصة عن طريق تفعيل دور القطاع الخاص في التنمية الوطنية وجذب الاستثمارات الأجنبية، ومنه تحرير السوق السعودي، لكن ذلك يجب أن يتبعه إجراء إصلاحات إدارية واقتصادية هيكلية تقوم في أساسها على اقتصاد الإنتاج وتأهيل الكوادر والنخبة التي تعطي بالمقابل جملة من العمالة المؤهلة وذات الكفاءة العالية.
كما أن أنجع الحلول لمواجهة البيروقراطية الفاشلة لا يخرج من دائرة الإصلاح وإعادة النظر في الأنظمة الإدارية والمالية والاستثمارية القائمة، والعمل على تأسيس نظام يقوم على تبسيط كل الإجراءات والمعاملات، بالإضافة إلى عامل الشفافية والوضوح، وهندسة الإدارة عن طريق تسريع الأداء، وتخفيض التكاليف.
في الأخير يمكن القول إن البيروقراطية تنشأ في المؤسسات الحكومية لقلة الرقابة فيها، ولعوامل الوساطة والمحسوبية التي يواجهها المواطن البسيط سواء عند بحثه عن فرص العمل، أو عند التعامل معها، وعلى هذا الأساس قد يعد القطاع الخاص أحد الحلول التي من شأنها محاربة البيروقراطية وتحرير السوق السعودي أكثر، بالإضافة إلى تفعيل مختلف عوامل الشفافية والجودة في إدارة الشؤون العامة للبلاد.