الآن وقد هدأت الضجة وأُطفئت مصابيح الإضاءة الملونة في مهرجان كأس الخليج العربي في الرياض.
وانقضى سامر دورة الخليج، وعرفت المنتخبات التي شاركت فيها وعرف معها جميع من كان يتابع وقائع المنافسات ما لها وما عليها.
الآن يمكن أن نتحدث بهدوء عن واقع كرة القدم السعودية، ويمكن أن نستشرف آفاق مستقبلها، واحتمالات هذا المستقبل.

ظاهرة متفردة

وثمة ما يمكن أن يقال في البداية وقبل الدخول في تفاصيل القضية، ألا وهو: أن كرة القدم لم تعد شأنا رياضيا خالصا، ولكنها أصبحت ممارسة أكثر شمولية بعد أن اكتسبت أبعادا جديدة لم يكن لها من قبل.
وذلك بعد أن تدخلت هي في السياسة، أو تدخلت السياسة فيها (ولا فرق)، ألا إن كرة القدم ذهبت أبعد من جميع المناشط الرياضية الأخرى، إذ لم تكتف بأن تلعب دور «المساعد» لأي نشاط اقتصادي أو سياسي آخر بل اكتفت بنفسها، خالقة دوائر اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية ترتبط بها، حتى أصبحت هي الظاهرة العالمية الأكبر والأكثر تفردا واستقلالا.
وإلا فأي مشكلة أخرى - غير كرة القدم ومنافساتها – تجعل رؤساء كبرى الدول ينفضون أيديهم عن المشاكل والأزمات الداخلية والعالمية التي تشكل للبعض منهم وللبعض من دولهم قضايا مصيرية، سواء تعلقت بوجودها، أو بمصائرها الاقتصادية والسياسية، ليأتي الواحد منهم ليقف إلى جانب فريق كرة القدم الذي يمثل بلده في المونديال؟.

التعامل مع الهزيمة

المسالة إذن أكبر من مجرد 11 لاعبا يتراكضون خلف كرة مطاطية.
إذ في جانب منها أصبحت المسألة تتعلق بمكانة الدولة في المجتمع الدولي، وبمعنى ما، فإنها ترتبط بالكرامة والكبرياء الوطني، وسواء وافقت على هذا أو رفضته فإن هذا هو الواقع العالمي الآن، وعلينا أن تتعامل معه.
وأعتقد أن هذا هو الذي جعل كثيرا من الذين تناولوا نتائج فريقنا الوطني، المخيبة للآمال بالفعل، يبدون كل هذا الغضب والحنق على اللاعبين الذين يمثلون السعودية، والجهاز الفني والإداري الذي يقف وراءهم، إذ إن الشعور بالمرارة لم يكن بسبب ما صرفت الدولة من خزينتها على هذا الفريق، بل الشعور بالمرارة كان بسبب الجرح النرجسي الذي تسببوا فيه.
كان ثمة إحساس عند الغالبية بأن هؤلاء الشباب وجهازهم الفني قد تعاملوا باستهانة مع هيبة الوطن ومكانته في العالم.
وسواء – أيضا – صح هذا الشعور والإحساس أو لم يصح – إلا أنه كان حقيقيا ومفهوما ومبررا، في ظل ما اكتسبته كرة القدم ونتائج منافساتها الخارجية من أهمية في العالم.
إلا أن الشيء المؤسف في هذه المسألة برمتها، كان هو انتقال الهزيمة وامتدادها إلى «الداخل»، وهذا نهج، أو رد فعل غير صحي، أو منطقي.
إذ إن الهزيمة في كرة القدم، مثلما الهزيمة في أي مجال آخر يجب ألا تفقدنا الصواب، وألا تجردنا من التعامل الموضوعي والعقلاني مع حقائق ووقائع حياتنا.
وإنما يجب أن تكون حافزا لتصحيح المسار، وإعادة النظر في الممارسة الرياضية عندنا، ومناسبة نقف فيها مع أنفسنا بكل هدوء وموضوعية وصدق مع النفس لنطرح على أنفسنا الأسئلة بشجاعة: أين نحن في خارطة كرة القدم العالمية؟ في أي نقطة نقف؟ وما الذي كنا نتوقعه من هذه المشاركة؟ وهل خططنا لما نريد تحقيقه من أهداف بشكل علمي وعملي؟ ثم أين الخطأ أو الأخطاء التي تسببت في هذا الإخفاق عن تحقيق الهدف الذي خططنا له؟ والآن كيف سننطلق مرة أخرى نحو هذه الأهداف؟.
هذه الأسئلة – وأنا هنا أضعها على طاولة الأمير عبدالله بن مساعد ومن يراهم من معاونين لإنجاز المهمة التي كلف بها وهو بها الأجدر – هذه الأسئلة هي التي تضع أقدامنا على الطريق الصحيح.

أين العقلانية؟

ولو أمعنا النظر حول الواقع الكروي، أو الرياضي بشكل عام، فإن أول ما سنلحظه هو غياب التخطيط الاستراتيجي طويل المدى، إذ نكتفي بوضع خطط مرحلية آنية، وهذا نمط من التفكير التكتيكي غير المفيد على المدى البعيد، ونستطيع أن نجد العبرة في التجربة الكويتية، حيث سادت الكويت منطقة الخليج كرويا من قبل منتخب حقق نتائج جيدة وشارك في كأس العالم، ولغياب التخطيط طويل المدى، سرعان ما تراجعت الكويت كرويا في المنطقة.
وبالطبع فإن التخطيط – طويل المدى – سيجعلنا نعيد النظر في كل النظم التي تسير بها الحركة الرياضية في السعودية، ليس بدءا بالنادي الرياضي، بل بما هو قبله، بالأطفال والأشبال، وليس انتهاء بالمنتخب الوطني، بل وبمواصفات لاعب المنتخب، ولا أعني مواصفاته الفنية فحسب، بل الذهنية والثقافية والاجتماعية.
فالعملية الرياضية وفقا للتفكير والتخطيط العلمي هي حلقات مترابطة في نسق موحد.
إلا أن المفهوم الكروي عندنا يقوم على أساس انفعالي، عاطفي بحت.
إذ نكتفي بحب الشعار، شعار النادي الذي نشجعه، ونطالبه بتحقيق النتائج التي نرغب فيها مكتفين بالحب والتعصب وحدهما، وأحيانا نغالي في هذه النظرة الانفعالية العاطفية، لتصبح نظرتنا أو تقييمنا للفريق الذي نشجعه والفريق المنافس لا يقومان على أسس موضوعية، ونسقط موازين القوى بيننا وبين منافسينا، فنخلع على أنفسنا أخطر الألقاب وعظيم الصفات، ونسقط على منافسنا كل صفات الضعف، استهانة به وتصغيرا لشأنه، لذا تنزل علينا الهزيمة نزول الصاعقة والكارثة.
إذن ما هو المخرج من هذا المأزق؟ما هي الخطوات الواجب اتباعها في مثل هذه الحالة لترسيخ قاعدة رياضية متينة وقوية؟

الكلمة السحرية

لا يختلف اثنان بأن أول خطوة ينبغي اتباعها في الشأن الرياضي، مثلها مثل الخطوة الأولى في أي مجال آخر من مجالات النشاط الإنساني مهما كان نوعها، ومستواها، هي التخطيط.
والتخطيط العلمي الدقيق هو الكلمة والمفتاح، الذي يفتح في وجهنا أبواب الإنجاز، ونعني العمل على وضع تخطيط رياضي شامل، يشمل كل المناشط الرياضية بما فيها كرة القدم.
وأن يشمل هذا التخطيط كل المستويات الاجتماعية على مستوى السعودية بمدنها وقراها.
وأن يبدأ هذا التخطيط بالاهتمام بأندية الحارات والمناطق السكنية، وأن تنوع نشاطات أندية الحارات والمناطق السكنية، لتشمل النشاطات الاجتماعية والثقافية والفنية، فإلى جانب تنمية مواهب الشباب من مراحل الصبا المبكرة، فإن لهذه الأندية قيمة تربوية، أو تلعب دورا تربويا مهما، لأنها تساعد على امتصاص أوقات الفراغ عند الأطفال والشباب فيما يفيد تحت إشراف البلديات أو أمانات المدن.
وتستطيع هذه الأندية أن تشبع هوايات الشاب، وتصقل مواهبهم.
إن الاهتمام بعنصر الشباب صغار السن هو المدخل الملائم لإعداد خطة طويلة المدى، ولكثير من الدول تجربة رائدة في هذا المجال، فالفرق الأفريقية التي نافست بقوة في المونديالات الأخيرة إنما نافست بلاعبين كانوا يلعبون في فرق الشباب بها، مثل نيجيريا والسنغال وساحل العاج.
لقد ولى زمن اللاعب «الجاهز» وحل محله اللاعب «المعد» منذ الصغر وثمة ميزة في إعداد اللاعب منذ الصغر وهي أنك تغرس فيه القيم التي تريد منذ الصغر أثناء صقل موهبته وتنمية مهاراته، وفي هذا مردود تربوي وأخلاقي لا يستهان به.

خصخصة الأندية

ثم تتجه النظرة بعد ذلك إلى الأندية الرياضية، هذه الأندية وبالطريقة التي تدار بها لا يمكن أن تساعد على أي نهضة رياضية ترضي الطموح.
وصحيح أن من خدموا بها طوال السنوات الماضية قد بذلوا تضحيات كبيرة، سجلت أسماءهم بأحرف من نور في تاريخ الحركة الرياضية في السعودية، فقد بذلوا المال والوقت والجهد، ولا شك أن بعضهم قدم كل هذه الأشياء على حساب نفسه، أو أسرته في بعض الأحيان، ولا يمكن أن ينكر دورهم إلا جاحد.
إلا أن تلك مرحلة قد انقضت وحان الوقت الآن لإرسال نظم جديدة لهذه المؤسسات الرياضية، إذ إن هذه الأندية أبعد ما تكون عن المؤسساتية، وأنها أقرب ما تكون إلى الملكيات الخاصة.
فالنادي ما زال عندنا يعتمد في كل عملياته المالية على ما يجود به الأقطاب والممولون المحسنون، ولا أحد يستطيع أن يغالط من يدفع في أن تكون كلمته هي العليا في شؤون النادي، حتى الفنية منها.
ولكن لا يستطيع أحد أن ينكر أن لهذا الوضع أيضا سلبياته ويستطيع أي ملم بالقضايا الرياضية أن يلحظ انعكاسات هذا الوضع على مجمل النشاط الرياضي، ونتائجه، ومستوى منافساته.
وإن علاج هذه المشكلة، وهي تكاد تكون رأس البلاء، وأم القضايا، إنما يكمن في خصخصة هذه الأندية، لتكون مؤسسات قائمة بذاتها، تعرف كيف تستثمر اقتصاديا نشاطها الكروي، فتحقق اكتفاء ذاتيا وربحية مغرية، وترتقي بنفسها.
وتطور من آلياتها ونظمها بما يضمن أداء مؤسساتيا راقيا ومنضبطا.
وأن خصخصة هذه الأندية ستعمل تلقائيا على تنظيم فوضى الاحتراف في هذه الأندية.
إذ إن الاحتراف الذي يمارس اليوم لا علاقة له بمفهوم الاحتراف الكروي المعمول به في العالم كله.
كما ينظم فوضى التسجيلات والشطب التي يجهل اللاعب والجهاز الفني والجمهور معا أسبابها ودوافعها والأسس التي تتم بموجبها.

الإعلام الرياضي

وثمة ركن ثالث لا يقل أهمية، إن لم يتفوق على الركنين السابقين لما له من خطورة بالغة في الحركة الرياضية، ألا وهو الإعلام الرياضي: إذ إن هذا الإعلام يسير الآن بعقلية عاطفية، وإن كثيرا من الذين يكتبون ما يسمى بالنقد الرياضي في صحفنا، إنما هم «مشجعون» يكتبون ويتحدثون بوحي العاطفة الانفعالية، والانحياز الأعمى اللاموضوعي.
وإن هذا الذي يكتبونه – في الغالب – لا يمت إلى النقد الموضوعي بصلة وعليه فإن تأثيرهم السلبي، أصبح مفضوحا وهم يواكبون مراحل إعداد المنتخب الوطني لمنافسات «أمم آسيا»، إذ أخذوا يطلقون الصفات المبالغة بسخاء على اللاعبين، ولم يكن هذا هو الدور المنوط بهم كنقاد وصحفيين ومحللين، ولكنها العاطفة العمياء الحاسمة، وهو الحب الأعمى الذي يزين كل شيء ويجعل من اللاشيء كل الأشياء، وهو حب مضر في النهاية.
ويستطيع قادة الإعلام العقلاء في هذا البلد أن يقدموا ما يرونه من خطط ومعالجات لهذه العقدة الإعلامية المستحكمة.
وأخيرا فإن ما هو مطلوب على مستوى الرياضة في السعودية كبير وكبير جدا، وهو عمل ضخم يتطلب تضافر جهود أكثر من جهة.
لأن المسألة لا تتعلق أو تقتصر فقط على الأندية ولاعبيها، وإنما تمتد لتشمل القطاع الشبابي كله في المملكة.
والشباب هم، في النهاية، عدة المستقبل لهذا الوطن المعطاء.