يعد جوزيف س. ناي مساعد وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، والأستاذ بجامعة هارفارد، وصاحب تعبير “القوة الناعمة” ومؤلف كتاب “مستقبل القوة”، أهم المنظرين اليوم على الساحة الأمريكية لا سيما بعد نجاح “الجمهوريين” في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، واستعداد “الصقور” لخوض الانتخابات الرئاسية 2016.
وأكد ناي مؤخرا أن “القوة الاقتصادية” لن تحل محل “القوة العسكرية” أبدا. وقال بالحرف الواحد: “إن القوة العسكرية توفر درجة من الأمان، وتشكل بالنسبة للنظام الأوكسيجين بالنسبة للتنفس: حيث لا ننتبه إلى أهميتها إلى أن تصبح نادرة، وعند تلك النقطة فإن غيابها يهيمن على كل ما عداها”.
وأضاف: إن القوة العسكرية في القرن الحادي والعشرين، لن تشكل بالنسبة للدول نفس الأداة التي شكلتها في القرنين التاسع عشر والعشرين، ولكنها ستظل عنصرا حاسما من عناصر القوة في السياسة العالمية.
رسائل جديدة
ويحمل كلام ناي مجموعة من الرسائل الجديدة للعالم، وفي المقدمة الصين، وهو (تطوير) للاتجاهات القومية الجديدة التي ظهرت تحت تأثير الصدمة الناتجة عن زلزال 11 سبتمر 2001، ودخول عصر العولمة أحادية القطب وتأثيرها على السياسة الخارجية الأمريكية، عندما أعلن وزير الدفاع الأمريكي وقتئذ دونالد رامسفيلد، وممثل الصقور داخل إدارة الرئيس السابق جورج بوش الابن: أننا نسعى إلى تحقيق اللقاء بين القرن التاسع عشر والقرن العشرين؟
وقصد بذلك العودة إلى ما كان يعرف بالنظام البريطاني في ثوب أمريكي، أما القرن التاسع عشر فهو قرن الاستعمار المباشر وغياب ثنائية القطب في النظام (الاقتصادي - السياسي).
سياسات القوة
ويعلم جوزيف ناي علم اليقين، أننا بصدد عالم متعدد الأقطاب والقوى، وأن “هدف القرن” الحادي والعشرين، هو أن يصبح عالمنا أكثر أمنا وسلما، وبالتالي فإن استراتيجية المحافظين الجدد والاتجاهات اليمينية في الولايات المتحدة، ستركز مجددا على أن “القوة العسكرية” عامل أساسي وليس وحيدا، لمجابهة تحديات ومستجدات القرن الحادي والعشرين.
ويقول ناي: اليوم نشأت درجة عالية من الاعتماد المتبادل بين الصين والولايات المتحدة على الصعيد الاقتصادي، ولكن العديد من المحللين يسيؤون فهم الآثار التي قد تترتب على ذلك، فيما يتصل بسياسات القوة.
صحيح أن الصين قد تهدد الولايات المتحدة ببيع ما تقتنيه من احتياطات ضخمة من الدولارات، ولكن هذا التصرف لن يؤدي إلى خفض قيمة احتياطاتها بسبب ضعف الدولار فحسب، بل ومن شأنه أيضا أن يعرض الطلب في الولايات المتحدة على الواردات الصينية للخطر، وبالتالي فقدان الوظائف وعدم الاستقرار في الصين، وبعبارة واحدة: “إن إرغام الولايات المتحدة على الركوع يعني إرغام الصين لنفسها على الركوع أيضا”.
ولا جدال في ذلك، فإذا كانت المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، أمرا قائما وموجودا منذ قرون طويلة، فإنه لم يحدث قط في التاريخ أن وجد هذا الترابط الكامل بين الدولتين المتنافستين، فكل منهما يستطيع أن يلحق الضرر بالآخر وبنفس القدر، وهو أمر جديد كل الجدة ولكنه في نفس الوقت مطمئن بالنسبة لمستقبل السلام العالمي” .. حتى الآن.
شكوك اقتصادية في القوة الصينية
قدم جوزيف ناي أخيرا تقييما شاملا لموقف الصين الاقتصادي مقارنة بالاقتصاد الأمريكي، في دراسته المعنونة “قوة الصين الاقتصادية المشكوك فيها” على موقع “سيندكت بروجكت”، وهذه أبرز عناصرها:
1 - نصيب الفرد من الدخل في الصين ــ وهو مقياس أكثر دقة للتطور الاقتصادي ــ لم يتجاوز 20% من نظيره في أمريكا، وسيتطلب الأمر عقودا من الزمان على الأقل قبل أن تتمكن الصين من اللحاق بالولايات المتحدة في هذا الصدد (إذا حدث ذلك على الإطلاق).
2 - رغم تجاوز الصين لألمانيا عام 2009 بوصفها أكبر دولة مصدرة في العالم من حيث حجم التصدير، فإنها لم تتمكن بعد – حسب مسؤولين وباحثين صينيين - من التطور إلى دولة تجارية “قوية” حقا، وذلك نظرا لضعف التجارة في الخدمات والإنتاج ذي القيمة المضافة المنخفضة. كما تفتقر الصين إلى ذلك النوع من العلامات التجارية الدولية القوية التي تتباهى بها قوى تجارية عظمى مثل الولايات المتحدة وألمانيا، ناهيك عن أن 17 من أفضل 25 علامة تجارية عالمية هي أمريكية.
3 - ينعكس تأخر التطور الاقتصادي الصيني أيضا على أسواقها المالية، والتي لا يتجاوز حجمها واحدا على ثمانية من نظيراتها الأمريكية، حيث لا يُسمح للأجانب بتملك ما يزيد على نسبة ضئيلة من الديون الصينية. ورغم أن الصين حاولت زيادة نفوذها المالي من خلال تشجيع استخدام عملتها دوليا، فإن التجارة المقومة بالرنمينبي (عملة الجزء القاريّ RMB) تظل تمثل 9% فقط من الإجمالي العالمي، مقارنة بحصة الدولار التي تبلغ 81%.
4 - لن تكون حتى احتياطيات الصين الضخمة من العملات الأجنبية ــ وهي الأكبر في العالم بما يقرب من 4 تريليونات دولار أمريكي ــ كافية لتعزيز نفوذها المالي، ما لم تتمكن السلطات من إنشاء سوق عميقة ومفتوحة للسندات مع تحرير أسعار الفائدة وتبني عملة قابلة للتحويل بسهولة. ولن تعطي هذه الاحتياطيات الصين قوة تفاوضية مباشرة في مواجهة الولايات المتحدة أيضا، وذلك لأن علاقات الترابط المتبادل بين البلدين تعتمد على عوامل تفتقر إلى التوازن والتناسب.
5 - تمتد الفوارق بين الصين والولايات المتحدة من حيث التطور الاقتصادي إلى التكنولوجيا أيضا، فعلى الرغم من بعض الإنجازات المهمة، تعتمد الصين على استنساخ إبداعات أجنبية أكثر من اعتمادها على الإبداع المحلي لتعزيز تقدمها التكنولوجي. ورغم أن الصين تصدّر براءات اختراع أكثر من أي وقت مضى، فإن قِلة من هذه البراءات تمثل إبداعات رائدة. وكثيرا ما يشكو الصينيون من أنهم ينتجون الوظائف في تصنيع الآي فون ولكنهم لا ينتجون ستيف جوبز.
6 - خلص الخبيران الاقتصاديان لانت بريتشيت ولورانس سامرز من جامعة هارفارد، إلى أن الارتداد إلى المستوى المتوسط من شأنه أن يجعل نمو الصين السنوي 3.9% على مدى العقدين المقبلين، مما يعني أن نمو الناتج المحلي الإجمالي في الصين سيتباطأ في العقود المقبلة، كما يحدث في كل الاقتصادات بمجرد بلوغها مستوى معينا من التطور، ناهيك عن أن الصين لا تستطيع - في نهاية المطاف - أن تعتمد على التكنولوجيات المستوردة والعمالة الرخيصة لدعم النمو إلى الأبد.
7 - سوف تواجه الصين ظروفا ديموجرافية سلبية متزايدة الحدة. فبعد فرض سياسة الطفل الواحد لأكثر من ثلاثة عقود من الزمان، أصبحت قوة العمل قريبة من بلوغ ذروتها بحلول عام 2016، ومن المنتظر أن يتجاوز عدد السكان المسنين المعالين عدد السكان من الأطفال بحلول عام 2030. وقد أثارت هذه المخاوف من أن تتمكن الشيخوخة السكانية من البلاد قبل أن تتمكن من تحقيق الثراء.
8 - أظهر النظام السياسي الاستبدادي في الصين قدرة مبهرة على تحقيق أهداف معينة، من بناء السكك الحديدية الفائقة السرعة إلى إنشاء مدن جديدة بالكامل، ولكن ما لم تصبح حكومة الصين جاهزة للقيام به حتى الآن هو الاستجابة الفعّالة للمطالبة المتزايدة الارتفاع بالمشاركة السياسية ــ إن لم تكن الديمقراطية ــ والتي تميل إلى مرافقة ارتفاع نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي.

