مياه كثيرة جرت منذ نصف قرن بين أول لقاء عالمي للأمن جمع بين هنري كيسنجر مستشار الأمن القومي الأمريكي، ووزير الخارجية الأشهر في مرحلة الحرب الباردة، والمستشار الألماني الأبرز هلموت شميت الذي شغل مناصب وزارة الدفاع، الاقتصاد، والمالية حتى أصبح خامس مستشار لألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية
الولايات المتحدة كان لها دور بارز في عملية تحول وتطور ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، سواء عن طريق مشروع مارشال الاقتصادي أو في إعادة بناء الجيش الألماني والعمل على انضمام ألمانيا إلى حلف شمال الأطلنطي، أما في 2014، فإن العلاقات بين أمريكا وألمانيا ليست كما كانت في سابق عهدها، بداية من اعتبارها تمثل أوروبا العجوز وانتهاء بالتنصت على خصوصيات المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وهو ما أدى إلى فقدان الثقة بين الحلفاء الغربيين التقليديين، أو قل يهدد الشراكة عبر الأطلنطي التي تعد العمود الفقري لمؤتمر الأمن الذي انعقد في ميونخ 1و2 فبراير الحالي
لذلك فإن اللقاء اليوم بين الأصدقاء المخضرمين كيسنجر وشميت، هو في جوهره محاولة لاستعادة ثقة الحلفاء عبر حوار مكثف ونقاش موسع يطال عملية المراقبة الأمنية في العصر الرقمي، مثلما كانت الاستراتيجية النووية هي محور المؤتمر الأول لحلف شمال الأطلنطي في مواجهة حلف وارسو في الستينات من القرن العشرين
ورغم أن الآثار الأمنية المترتبة على العصر الرقمي في الألفية الثالثة قد تبدو أقل وضوحا وخطورة من التهديد النووي حتى الآن، فإن الإمكانات التكنولوجية التي وفرت في عصر العولمة وثورة الاتصالات قد غيرت بشكل جذري طبيعة العلاقات الدولية حتى بين الحلفاء
وربما لهذا السبب تتزايد غموض مخاطر العصر الرقمي وأنشطة المراقبة الاستخباراتية لأجهزة الأمن القومي في الغرب، وهو ما يثير جملة من التساؤلات الأخلاقية والقانونية والسياسية، حول «الأسلحة السيبرانية الدفاعية» والطائرات التي تقتل بدون طيار ومستقبل حقوق الملكية الفكرية وغيرها من القضايا
ناهيك عن أن التسريبات التي مررها إدوارد سنودن عن وكالة الأمن القومي الأمريكي، قد حفزت الجميع على وضع استراتيجية جديدة للأمن في العصر الرقمي، تقوم علي فكرة شديدة البساطة والعمق هي: كيف أصبح العالم حجرة في شقة صغيرة بينما أصبحت أوروبا وأمريكا جزرا منعزلة؟ما يؤكد فكرة دمج العالم وانكماش حدود الزمان والمكان هو انعقاد أول مؤتمر إقليمي خليجي للأمن الرقمي في 4و5 فبراير بالدوحة، ويضم نحو 400 شخصية رفيعة المستوى من 10 بلدان من الوزراء والخبراء ورؤساء الهيئات والمنظمات الإقليمية والدولية وممثلين عن شركات رئيسة في القطاعات الحيوية مثل البنى التحتية والاتصالات والمصارف والأسواق المالية
ويناقش مخاطر الاختراقات الرقمية على مؤسسات واقتصاد دول الخليج واستراتيجيات وتكنولوجيات الحماية مثل عمليات القرصنة وجرائم الانترنت إلى سن القوانين والتشريعات الخاصة بالاقتصاد الرقمي الذي يبلغ المليارات من الدولارات سنويا وانتهاء بميثاق شرف للأمن الرقمي على المستوى الخليجي
فقد أصبح اقتصاد الانترنت وتكنولوجيا المعلومات في معظم دول الخليج العربي من الضخامة نتيجة النهضة الاقتصادية والاستثمارات الكبيرة في تطوير البنية التحتية، وصولا لتحقيق حلم التنافسية مع أسواق شرق آسيا وأوروبا، وحسب تقرير لمجموعة جارتنر، تقدر سوق أمن التكنولوجيا والخدمات المرتبطة في 2013 بـ67.2 مليار دولار مقارنة مع 61.8 مليار دولار في 2012، ومن المتوقع حسب التقرير، أن يصل حجم هذه السوق إلى ما يزيد على 86 مليار دولار بحلول 2016
«العصر الرقمي» سيثير في المستقبل القريب مخاطر من نوع جديد لم تألفه الإنسانية من قبل، وقضايا أخلاقية حساسة خاصة مع انتشار «مواقع ومنظمات» عبر شبكة الانترنت، التي تقدم خدمات يخجل أصحابها منها مثل الأمراض النفسية والعصبية والبيولوجية كالإيدز على سبيل المثال، فضلا عن الاستفسارات الخاصة من خبراء البنوك والبورصات، وكلها تتطلب مصارحة ومكاشفة تمثل تهديدا لأصحابها في حال كشفها أو اختراقها
ومن المتوقع أن يتمكن الهاكرز وقراصنة الانترنت في الأيام المقبلة من الوصول إلى خصوصيات جمهور جديد وربما أكثر سذاجة، وسوف تصبح انتهاكات حقوق التأليف والنشر أكثر انتشارا مما هي عليه اليوم، وهو أمر شديد الخطورة والأهمية في المجتمعات التقليدية وغير التقليدية على السواء