«لم يهزمني ذكاءُ أعدائي قَط، لم يهزمني إلا غباءُ حُلفائي» نابليون بونابارت
تلفت أساطير وحكايات القبائل الأفريقية انتباهي منذ زمن بعيد، بثرائها وتنوعها ودلالاتها العميقة البليغة، وأزعم أنني اطلعت على معظمها، في ترجماتها الدقيقة إلى اللغة الألمانية، التي قام بها بإتقان ودأب، المُستفرق (على وزن مُستشرق) النمساوي أوتو فون بوهر.
لكنّ حكاية بعينها من الحكايات الشعبية لقبائل (الهو سا تروف) القاطنة في وسط القارة، ما تنفك تلح علي هذه الأيام، وها أنا ذا أنقلها لكم، عن الكتاب المهم لفون بوهر (قبل نسيان الحكايات: نصوص المرويات الشعبية للقبائل الأفريقية جنوب الصحراء).
يحكي الأجداد أن بحر الرمال الكبير الذي يحيط بقرى الهو سا تروف اليوم، لم يكن في الماضي السحيق غير غابة كبيرة خضراء، اسمها غابة الحمير، تنمو فيها أشجار عملاقة، نعرف اليوم بعضها ونجهل أكثرها، وتسكنها آلاف الأنواع من الحيوانات، نعرف بعضها اليوم ونجهل أكثرها، لأننا لم نرها قط، لا نحن ولا حتى الأجداد أنفسهم، فقد احترقت الغابة ومات كل ساكنيها منذ زمن بعيد، بعد معركة الحمير، لكن دعونا نحكي الحكاية من البداية.
كانت الحمر الوحشية في تلك الأزمان القديمة، هي أكثر قطعان الغابة عددا، وكانت تنقسم إلى قبيلتين رئيستين: الحمر الوحشية السوداء المخططة بالأبيض، والحمر الوحشية البيضاء المخططة بالأسود، وكان الصراع بين القبيلتين على أشده، وكثيرا ما أدى إلا تقاتل دامٍ، أُزهقت فيه أرواح الكثير من الحمير، من الطرفين.
لكن حمارا عجوزا حكيما يُدعى (ناهق) عَزّ عليه أن تتردى الأوضاع الداخلية لأمة الحمير كل هذا التردي، فجمع إليه قائدي القبيلتين الحميريتين، وصارحهما بأن الأزمة التي تمر بها الأمة الحميرية هي أزمة مصير، وأن الحمير يتعرضون لمؤامرة كبرى، تهدف لتمزيقهم وتفتيت وحدتهم، لمصلحة قوى خارجية، لا يهمها إلا أن تفترسهم افتراسا بما لديها من مخالب وأنياب يفتقر إليها الحمير، الذين لا يتقاتلون إلا بالعض والرفس والنطح، بالأسنان والحوافر والجماجم، وهي أسلحة لا تقتل أسدا ولا ذئبا، وإن كانت تقتل الحمير أو تضعفهم فيصيرون فريسة سهلة للأمم الأخرى من أصحاب المخالب والأنياب.
وبعد أن تبادل الزعماء الرأي، اتفقوا على ضرورة وضع حد للاقتتال الحميري الداخلي، وعلى أن تتوحد أمة الحمير في مواجهة الأخطار الفادحة المحدقة بها، اتفقوا على ما يلي:
- تتوقف كل الأعمال العدائية والتحريضية بين الحمير.
- تقوم الحمير السوداء المخططة بالأبيض بحماية الحدود الجنوبية لغابة الحمير حيث تعيش الذئاب والضباع.
- تقوم الحمير البيضاء المخططة بالأسود بحماية الحدود الشمالية لغابة الحمير حيث تعيش الأسود والفهود.
وانصرف القادة مع أتباعهم لتنفيذ المهام المقدسة، وخلال أيام نعمت أمة الحمير بالسلام التام، واستطاعت إيقاف حالات الافتراس، وأصابت الأمم الحيوانية الضارية من حولها بالمجاعة، ودفعتها للبحث عن فرائس خارج حدود الغابة التي صارت ملكا خالصا للحمير.
لكن تغيير الطبع مستحيل كما تقول حكمة الأجداد، فبعد زمن قصير، فكرت قبيلة الحمير السوداء المخططة بالأبيض في أنها ستصبح أقوى من غريمتها القديمة المخططة بالأسود إذا ما تحالفت مع الذئاب والضباع وشنت هجوما ساحقا على القطاع الشمالي من الغابة وقتلت كل الحمير الحمقاء هناك، لتصير الغابة ملكا خالصا للحمير السوداء المخططة بالأبيض.
وحين وصلت أنباء المفاوضات الجارية بين الحمير الجنوبية والذئاب إلى مسامع الحمير الشمالية شرعت هي الأخرى في التفاوض مع الأسود والفهود للتحالف معها في وجه حمير الجنوب الشريرين، ولتطهير الغابة من خبثهم ومكرهم وتآمرهم.
وفي يوم مشهود، التقى الجمعان، حمير الجنوب المدعومة بالذئاب والضباع، وحمير الشمال المدعومة بالأسود والفهود، ودارت رحى معركة طاحنة، نفقت فيها كل الحمير، ولم يبق على قيد الحياة غير الذئاب والضباع والأسود والفهود، التي أولمت وليمة كبرى، على لحوم الحمير النافقة!
أما الحمار العجوز الحكيم (ناهق) الذي نأى بنفسه عن الاقتتال الأحمق، فقد مزق الحزن قلبه على حال الحمير، وأدرك أن الغابة بعد اليوم لن تكون إلا مرتعا للوحوش المفترسة، فأشعل فيها النار، حتى صارت رمادا.
ولهذا – تقول الحكاية - لم تبق من غابة الحمير، ولم يبق من أمة الحمير، غير الذكرى الصالحة للتأسي والاعتبار.
اندثار الحمير
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
