في ليلة قمرية تجمعت طيور أيك الحرية، وكان يمثل كل صنف منها فرد يكون الأحكم، والأفصح، والأبخص بما يدور وما يزيد وينقص.

وكانت الدعوة قد وجهت لها من لدن الطاووس، والذي وصلته أخبار من الهدهد بأن البشر قد امتهنوا التغريد، وتطاولوا في نغماته، ونشجوا حتى أساؤوا بذلك لكل من غرد قبلهم.
واستهل الطاووس بعنق متشنج وصوت يتلجلج بالحزن: لقد سرق منا البشر ميزاتنا بالتغريد، ومسخوها من معالم النقاء والفن والرقي، وضمنوها نشازًا وبلبلة وغيبة وحسدا وحقدا وعنصرية وتزويرا وإشاعات وتحريضا ودموية، وقد رأيت أن نجتمع اليوم، لنبحث في إمكانية حفظ تراثنا المخترق، ومواجهة من شوهوه.
فرفع الهدهد عقيرته: لقد رأيتهم بأم عيني، وكنت أستعرض تغريداتهم القبيحة، التي لا تمت لنا بريشة ولا عرف، وكم أتمنى ألا تصل أبناءنا.
فضحك الغراب: كنتم تتعنصرون ضد محاولاتي للتغريد، وتغلقون آذانكم عن نعيقي، فابتلاكم الله بنشاز مستطير لا يمكنكم منعه.
فغضب الديك: يا أخي لسنا هنا لحل مشكلات حشرجتك، فكلنا متضررون، وحتى صياحي الصباحي أصبح من دون قيمة، فسباتهم لم يعد منتظمًا، وهم يغرسون أعينهم ليل نهار في شاشات بين أيديهم.
فزادت اليمامة: وأنا لم يعد أحد يهتم لغنائي ونواحي، وكأني حطمت السلم الموسيقي، أو أن ألحاني تقادمت؟.
ويبرز الوروار: وأنا للأسف حتى فيروزهم لم تعد تتمكن من الإبقاء على جمالية صوتي.
فيدمع البلبل: أنا أصبت بالكآبة، فقد كنت أصطفى لعذوبة تغريدي، واليوم ها هم يخلطون بيني وبين الحمام.
فانتفضت الحمامة: احترم نفسك يا بلبل أفندي، وترفع عن عنصرية البشر.
فتندب البومة، بصوتها المبحوح: هذا هو ما استنفدناه من الإنسان وشروره، لقد كنا جميعًا نغرد بطرقنا، التي لا تؤذي، ولا تجرح، وها أنتم اليوم تمزقون محبتنا بنشاز ظنكم وأفكاركم.
فتضحك الحدأة: الحمد لله أني لم أعد الشريرة الأمثل.
فينظر لها النسر باستهزاء: كنت تنعتينني بالشرير، وبآكل الجيف، ولكن الإنسان حمل عني الأمانة، بتغريدات الافتراء والغيبة والنميمة.
حاول الطاووس إعادة النظام للجلسة: أرجوكم، دعونا من الحزازات والسباب والقذف، نريد حلًا يحمينا ويحمي أبناءنا وتراثنا.
فصرخ الببغاء وهو يمسك شاشة هاتف بيده: انظروا لكمية القبح في تغريداتهم، تحقير وتسفيه للمعتقدات، وتحريض على الفرقة والقتل.
ويوافقه العصفور: صفحاتهم منتهى التناقض تجد: حشاشين، وفلاسفة، ومفتين، ومتطرفين، ومنظرين ومحرضين، يا له من مجتمع وتواصل.
فيقترب منهما الطنان: تغريدهم نزق وشرير يحرق روابط الخير والإنسانية بينهم، ولكن الشبهة تنسبغ علينا للأسف.
فيضحك الكناري: سأبدل اسمي لخشبة.
الحجل: ولماذا تغضبون، دعوهم يلتهون عنا بقتل أنفسهم وأهاليهم.
فيصرخ الطاووس: أعوذ بالله أن نرضى بالظلم.
فيهمس الدوري: نصدر بيانًا رسميًا نتبرأ فيه من التغريد، ما دام يخلق كل تلك التناقضات، والكذبات، والعنصرية، والثورات، والحروب المقززة؛ ونمتنع عنه طالما أن أرواحنا تعرف الرب والفطرة والحق.