طفت على السطح الساخن للأحداث في الفترة الماضية أخبار بلاغات غسيل الأموال، وذلك لارتباطها الوثيق بتمويل نشاطات الإرهاب، وغسيل الأموال من الجرائم العابرة للحدود وهي بذا تتجاوز حدود الدولة الوطنية وإقليمها، إذ لا يكفي السيطرة عليها داخل حدود الدولة وإنما ينبغي تضافر الجهود الدولية من أجل القضاء على الظاهرة.
تتنوع مصادر الأموال القذرة التي تدخل إلى الاقتصاد فيما يسمى الاقتصاد الخفي أو الاقتصاد الأسود، ولإخفاء أو تمويه أصل حقيقة أموال مكتسبة بطريقة غير شرعية أو نظامية كتلك الناتجة عن تجارة المخدرات والأسلحة وغيرها من الجرائم التي تدرّ أموالاً يصعب اقتفاء أثرها، تقوم الجهات التي تديرها بإدخالها ضمن النظام المصرفي ليتم تشغيلها مرة أخرى في أنشطة مشروعة.
فيما قبل كانت مثل هذه الجرائم أقرب إلى الخيال وقد صورتها السينما الأمريكية عن مافيا جزيرة صقلية الإيطالية ثم عبورها لعواصم دول شرق أوروبا حتى غطت شبكتها العالمية أغلب مساحة الكرة الأرضية حتى أصبح لا يفرّق فيها بين شرق وغرب. أما الآن فقد أصبحت الخبرات المتناقلة عن طريق التطور التكنولوجي وتطور النظام المصرفي هي الضامن لبقاء هذه الأموال المتحصلة متجاوزة القوانين الدولية بتعدد نشاطاتها.
ولئن كانت الأموال القذرة في العالم الأول يتم تحصيلها عبر جرائم تجارة السلاح والإرهاب وشبكات الدعارة والاتجار بالبشر، فقد برع العالم الثالث بإضافة نوع آخر هو الدجل والشعوذة. وهذه الجريمة تربط بين قارتي أفريقيا جنوب الصحراء وبين آسيا في جزئها الخاص بالشرق الأوسط.
كانت دائرة مكافحة غسيل الأموال بالمباحث الجنائية والجهات الأمنية في الدول العربية فيما مضى تكتفي بمهمة القبض على المتهمين والتحري معهم فيما يتعلق بحيثيات القضية. أما الآن فقد اقتضى الحال أن يذهب التقصّي إلى أبعد من التحري الروتيني وأن تنبثق عنه لجان مختصة تناقش المشكلة من ناحية اجتماعية خاصة الشق الأكبر والمكون الأساسي لعمليات غسيل الأموال المرتبطة بممارسي الدجل والشعوذة، فقد فضّل بعض الناشطين الأفارقة والضالعين في هذه الممارسة ادعاء الاستعانة بالجن لأغراض شتى.
وهذه الممارسة فضلاً عن أنّها نوع من صناعة الوهم وتصديقه، فهي ممارسة تأتي كل يوم بالمثير. تتقن الفئة التي تعمل بالشعوذة اللعب بالبيضة والحجر، فهي فئة تعلم جيداً أنها تبيع الوهم للمغفلين، ونفس جينات الشعوذة تصديقاً موجودة عند أشخاصٍ بسطاء ضغطتهم ظروف الحياة وخيّمت فوق رؤوسهم مظاهر الأمية والجهل والاعتقادات الخاطئة وتعلقوا بالأوهام، لا يعلمون ما تنطوي عليه هذه الأعمال من مضار شرعية وحسية فيلجؤون لشراء الأحجبة والتمائم والأعشاب من هؤلاء الباعة الراغبين في الشفاء من أمراض مستعصية أو الثراء السريع. وهذا بالطبع لا ينفي سؤال أحدهم فيما إذا كان باستطاعته أن يفعل ذلك لنفسه ويثري كما يدعي إثراء غيره.
وهذه الفئة أيضاً تدخل ضمن سلسلة الأموال القذرة المعاد تبييضها ولكنها تعمل بشكل بدائي قد يكون فرديا أو جماعيا، وما نشاطها الحالي إلّا لردة حضارية في مجتمعاتنا.
ضحايا هذه الفئة هم أشخاص لديهم إيمان عميق بالقوى الخفية وما يمكن أن تحدثه، وهي في الغالب فئة جاهلة تغيّب العقل والمنطق ويسهل غشها والتغرير بها. أما هذا النوع من الخدمات فيحصلون عليه من بائعي الوهم المروجين لعلاج الأمراض المستعصية والسعادة الزوجية وفتح أبواب الرزق وفك السحر، أو من مشعوذين تقليديين وهم عادة أفارقة يتحركون بسلطة موهومة بدعوى تمكنهم من جلب النفع أو الضرر.
ومهما اختلفت المجتمعات فيظل طابع ممارسي جرائم غسيل الأموال بما فيها الدجل والشعوذة، يوحي بأنها شخصيات مهزوزة تسعى للتأثير على المجتمع إذا كان ضعيف التكوين يعاني من الخواء المعرفي والإيمان بالله وعدم الوعي. ولأنّ القانون لا يحمي المغفلين فهو لا يستطيع بالتالي تغيير اعتقاد الناس، كما لا يستطيع إرغامهم على مواجهة مصاعب الحياة أو كفّ عقولهم عن الحلم بتحسين حظ عاثر أو نيل مكاسب غير مستحقة.
أموال قذرة بين إنس وجن
منى عبدالفتاح3 دقائق للقراءة

حجم الخط
