المجتمعات الحضارية مجتمعات لا تقبل السكون وتستعصي على الارتهان للحظة نمطية زمنية واحدة، وهي بهذه الحركية تقفز من بؤر التقليد إلى فضاءات الإبداع والتحديث، ومن المستوى المعرفي الأول إلى المستوى الذي يليه، وفاء لمطلب التراكم المعلوماتي، الذي تتسابق الأمم الناهضة للانضمام إلى تياره المتدفق

ولكن الذي يحدث داخل مجتمعنا من تقلبات وتغيرات مستمرة، غير تلك التحولات الحضارية الإيجابية الداعمة لمشروع عمارة الكون
فهي تحولات شكلية بالغة التسطيح، لا يمكن أن يصفها بدقة إلا قولنا الشعبي «معاهم معاهم

عليهم عليهم»، لا تنطلق من مرجعيات ثقافية مستحقة، أو من غايات إنسانية (صحيحة)، فغالبا ما نجد أنفسنا في (زفة) أي شيء صاخب يصادفنا، (فننزف) معه بكل ما نملك من انفعالات عاطفية متوهجة
فمنذ البدء

نصادف كثيرا من الشخصيات المحلية، التي تكون ذات طابع حداثي منفتح، ثم تتحول بسرعة هائلة إلى نماذج دينية بالغة التطرف والغلو، والعكس صحيح، أو أننا نصادف بين عشية وضحاها شخصية أكاديمية مثقفة من أساتذة المناهج العلمية الحديثة، في إحدى الساحات الشعبية المشرعة أروقتها للشعر والفخر والاستعراض بالحيوانات الأليفة وغير الأليفة، كما يمكن -أيضا- أن نجد شخصية واحدة تجمع بين ملامح الوصي على أخلاق عباد الله، وملامح الفرد العبثي المتحرر المجنح
وحتى في مواقفنا من المستجدات الحديثة، التي تطرأ علينا بين الحين والآخر، كتلك الحالة المضطربة التي حدثت لكثير منا في بدايات دخول القنوات الفضائية للمشهد الإعلامي المحلي المحدد

قبل ٣٠ عاما، كما أن ثمة من ينتسبون للخطاب الديني الأصولي ممن كانوا يرفضون بالكلية هذا الموضوع - ولو أتى بخير ومنفعة - نجدهم أصبحوا نجوم تلك الفضائيات الشاملة للمتنوع من البرامج والخطابات، وليس فقط الفضائيات الدينية الخالصة
حتى الموقف من الشخصيات التي تتسيد مفردات الخطاب السياسي والديني أو التعليمي أو الثقافي أو الفني، تتخلله تلك التحولات بقوة (التترابايت) في الثانية الواحدة، فالإقصاء والرفض والإخراج من الملة الإسلامية المباركة، كان هو الموقف الذي اتخذته أطياف كثيرة من مجتمعنا منذ ثلاثة عقود من الزمن للشخصية الجدلية في خطابنا الثقافي د
عبدالله الغذامي، ولكن منذ عامين فقط حدثت تحولات كبيرة، خفت معها حدة التطرف في النظرة لهذه الشخصية، بعد أن رأى المتحولون عنوانا لمحاضرة (غذامية) ينسجم مع الذهنية الرافضة بالكلية لكل (ابتداع) كالليبرالية (المشؤومة) مثلا، أو عندما انتقد الغذامي بعض مجاييله من رواد (الحداثة)، إثر هجومهم على كتابه الشهير (حكاية الحداثة)
ومما يثير الدهشة - بلا شك - أن هذه النظرة الإيجابية للدكتور الغذامي استجدت، رغم تمسكه بقناعاته الأولى والمعطيات النقدية التي (حول) بها حركة النقد في مشهدنا الأدبي! فهل تبرأ أستاذنا القدير من كتابه (الخطيئة والتكفير؟) وهل لم يعد ينظر للإنسان بوصفه (لغة)؟، وهل أضحى ينظر للمؤلف بكونه حيا وفاعلا في نصه الأدبي؟ ومنذ الأساس هل امتدت حداثة الدكتور الغذامي للأيديولوجيا المحلية أو للخطابات السياسية، حتى يكون لذلك الرفض (الأول) مبررا واضحا، يستحق عناء التحولات؟! ولعلني أذكر أيضاً على سبيل المثال كيف كان الإعجاب و(الحماس) الجماهيري العربي بكل (مذاهبه) مع شخصية قائد جماعة حزب الله اللبناني (حسن نصر الله) باعتباره القائد الملهم المخلص للأمة من شبح الاحتلال الصهيوني الأثيم! مجتمعنا يحسن السير في هذه (الزفات) الطبيعية أحيانا و(المصنوعة) في أحايين أخرى، فالخطاب الإنساني الطبيعي الحر والجميل في استجابته لحاجات الإنسان من المعرفة وتذوق الفن والجمال منذ (الستينات) و(السبعينات) الميلادية، (نكص) في الاتجاه المعاكس تماما في (الثمانينات)، من خلال خطاب ديني متشدد -رغم بروز نداءات الحداثة والتغيير، كان من مخرجاته المتوترة فورة الحماس الديني (الانفعالي) من بعض شبابنا، والذي قادهم إلى الجهاد في أفغانستان، وكانوا بؤرا خطيرة لتصدير العنف والتطرف والأساطير والخرافات لمجتمعنا حين عودتهم من جهادهم (العنتري)، واستمرت سطوة ذلك الفكر الديني المتطرف خلال (التسعينات)، التي شهدت في أواخرها طيفا من تفاعلات خجولة مع الطفرة الروائية الأدبية، التي حاولت قراءة المجتمع من منطلقات واقعية (فضائحية أو نقدية أو وصفية)
أما في الألفية الجديدة والتي ابتدأت مرحلتها التاريخية مع حدث الـ11 من سبتمبر ٢٠٠١، فإننا نجد بعض أطياف المجتمع استجابت إلى خطاب يتجه ظاهريا بعيدا عن الخطاب الديني المتطرف، إما من خلال خطاب حداثي جديد بشكله (الليبرالي) المرتبك، أو من خلال العودة الانفعالية إلى الخطاب الشعبي الغابر، للهروب عن كل تلك المتغيرات القلقة والمتأزمة، التي تسببت في إرهاق الذهنية و(دوشة الرأس) بما لم تتعوده! نجد تلك التحولات الشعبية في المهرجانات الشعبية، والتي يمثلها بكل جلاء مهرجان أم رقيبة لمزايين الإبل، الذي بدأت فعالياته بعد عام (سبتمبر) الدموي مباشرة -٢٠٠٢- الذي كان فضاء للعودة إلى أطياف القبيلة ومآثرها التليدة بشعرها وحكاياتها ونوقها! هذه التحولات العاطفية العجيبة في الذهنية المحلية يمكن إرجاعها لأسباب متعددة، لعل من أبرزها سببين اثنين (سآتي عليهما بالتفصيل في النثار القادم بإذن الله،) أولهما عدم نمو هذا المجتمع نموا طبيعيا، بفعل ثلاثة مؤثرات (الطفرة والصحوة والرهبة)! فهل المجتمع الذي كان متآخيا مع الإنسان (المواطن أو الآخر)، ومع الثقافة والفن والجمال، ثم ارتد منسلخا من ذلك المشهد الإنساني الطبيعي، لبناء أسواره الحديدية التي حبس نفسه فيها -مرتهنا لثقافة التطرف والكره والرفض والموت- هو مجتمع ينمو طبيعيا بنفسه، أو من خلال أيدي آثمة، حرمته من حياته الإنسانية المستحقة! أما ثاني الأسباب فهو غياب الثقافة الخالصة في الوعي الجمعي، والتي أفضت إلى افتقار الذهنيات العامة للآليات المنهجية الصحيحة في التعامل مع الأشياء والشخصيات والظواهر المتنوعة
(يا للخسارة الفادحة)! التي فقدنا معها عمرا بحجم أربعين عاما من زمن الحياة المشروعة المستحقة!